مجتمعات عُقدة الشحة !
د. صلاح حزام.
المجتمع او العائلة او الفرد الذي يعاني من الشحة المستمرة ، تتولد فيه عُقدة تسمى : عقدة الشحة !!
في اللغة العادية غير الاقتصادية المتخصصة ، لايجري التمييز غالباً بين الشحة shortage وبين الندرة scarcity ويتم استخدام احداهما بدل الأخرى.
الشحة تعني : تلك الحالة التي لايمكن فيها الحصول على الشيء المطلوب بالكمية الكافية.
اي انها قد تكون ظرفية ، مؤقتة ، وقد ترتبط بشيء معين يحتاجه الفرد او المجتمع ولايحصل على الكمية التي يحتاجها منه..اي انها ترتبط بالعرض والطلب على سلعة معينة.
اما الندرة : فأنها مفهوم اقتصادي يشير الى الحقيقة الاساسية للحياة وهي أنه لايوجد سوى كمية محدودة من الموارد البشرية وغير البشرية التي يمكن لأفضل المعارف التقنية فقط استخدامها لأنتاج كميات محدودة فقط من كل سلعة اقتصادية..
الندرة حقيقة ثابتة ودائمة في كل مكان وزمان وهي سبب نشوء علم الاقتصاد الذي يعرّف بكونه ” علم الندرة”.
الشحة قد يعيشها مجتمع معين لاسباب متعددة او يعيشها فرد او عائلة ، وقد تكون مؤقتة وتزول بزوال ظروفها واسبابها.
في الانكليزية هناك تسمية متداولة غير دقيقة تسمى scarcity complex
لاتميز بين الشحة والندرة ..ولكن التعريف والشرح يبقى صحيحاً تماماً.
انه شعور الفرد بأن الحياة مثل الكيكة المحدودة في حجمها ، بالطبع، وان حصة اي فرد آخر اذا كانت كبيرة فأنها تعني حصة أصغر لغيره..
هذا السلوك المعقّد قد يكون موجوداً في المؤسسات او ضمن الأسرة التي يتنافس أفرادها على مواردهم المحدودة ( اذا قدم الأب هدية لأحدهم فان ذلك قد يعني حرمان الآخرين من أشياء أخرى).
المشكلة تكون أخطر تأثيراً عندما يسود هذا الاعتقاد والسلوك المعقّد في مجتمع يعاني الشحة لعقود من الزمن.
تكون لذلك آثاراً سيئةً على الحياة وعلى العلاقات الانسانية ..
قد تستخدم السلطات المستبدة ، الشحة المفتعلة لإخضاع واذلال الناس وتجنيد بعضهم ضد بعض استغلالاً لحالة التنافس على فتات السلطة !!
ابو جعفر المنصور كتب في وصيته المشهورة لولده وولي عهده المهدي قائلاً : يابني ، أجِع كلبَكَ يتبعك !!!
والمعنى واضح ..
ميكيافللي قال شيئاً مشابهاً في كتابه الشهير ” الأمير”..
في دول المعسكر السوفيتي السابق ونتيجة لسوء الادارة الاقتصادية ومع كثرة الموارد، عانت المجتمعات من شحة مستمرة استغلها الغرب لتحقيق اختراقات مهمة ..
البعض يعتقد انها مقصودة لغرض الإخضاع والبعض يعتقد ، وأنا منهم ، انها نتيجة سوء الادارة وإهمال الحساب الاقتصادي الفني واستخدام الاساليب الادارية البيروقراطية في توجيه الاقتصاد.
ووصل بهم الأمر الى حد ان مؤتمر الحزب الشيوعي يَعِد الناس بزيادة حصة الفرد من الزبدة بضعة غرامات !!!
الاقتصادي الهنغاري يانوش كورناي، كان اول من استخدم تعبير اقتصاديات الشحة في عام ١٩٨٠ في مقالة تناول فيها اقتصاديات دول الكتلة السوفيتية المخططة مركزياً.
ومن علامات مجتمع عقدة الشحة ، عدم احترام الطابور ومحاولة تجاوزه للحصول على الشيء قبل الآخرين خوفاً من نفاد المادة من المحل !!
وحتى التزاحم في الطريق من قبل سائقي السيارات وعدم أعطاء فرصة للآخرين !!!
في البلد الذي أعيش فيه وهو بلد وفرة ، ألاحظ سلوك الناس القادمين من مجتمعات معروفة بالشحة ويبدو ذلك واضحاً من سلوكهم مع ان الرفوف مليئة والمحلات عديدة ولايوجد ادنى قلق من نفاد الكمية !!!
لقد تربى هؤلاء على الشحة والتدافع والمنافسة غير العادلة والمستمرة على كل شيء في الحياة… يتحول ذلك السلوك الى نوع من الكراهية المتبادلة في المجتمع.. حتى وجودك في الحياة وفي الوظيفة يعتبر مصدر تهديد لارزاق الآخرين لأنك سوف تأخذ قطعة من الكيكة وتُقلِّص حصصهم ..
ختاماً ، اورد هذه الحادثة التي حصلت معي اثناء اسوأ سنوات الحصار وهو عام ١٩٩٣.
كنت أحضر مجلس عزاء لأحد الأشخاص ، ودعانا صاحب العزاء لتناول العشاء.. وقفنا في صفّين مُتقابلَين وبيننا مائدة طويلة وضعوا عليها صحون كبيرة للرز وفوقه قطع اللحم.. أخذت قطعة صغيرة من اللحم ووضعتها امامي وبدأت اتناول طعامي بهدوء..ولاني لا آكل كثيراً ، بدأت بأخذ أجزاء صغيرة من تلك اللحمة المقدّسة . كان يقف أمامي شخص من نفس المنطقة اعرفه ويعرفني جيداً لكنه ليس صديقي .. كان يأكل بشراهة غريبة وعندما انتهى اللحم في الصحن ،والذي أكَلهُ كله ، نظر الى بقايا لحمتي الصغيرة ثم مدَّ يده وأخذها من أمامي ومن داخل حفرة الرز وأكلها وسط شعوري بالصدمة والاشمئزاز..
2021-06-27