الوجود العسكري الأجنبي في أرض العرب!
عبد الحق العاني*
حين كتبت مقالتي الناصحة لأهلي العُمانيين تحت عنوان “عُمان والسياسة الخجولة” كان من الطبيعي أن أسمع رضاً وسخطا، فكل من لا يرتضي ذلك لا يحق له أن يكتب. وكان مما وصلني بعد ساعات من نشرها رسالة من أحد أصدقائي العلماء العراقيين ممن يحب عُمان وأهلها وله علاقات مستمرة بالسلطنة، وتضمنت تلك الرسالة تعليقاً لأحد المسؤولين العُمانيين على ما كتبت. وبرغم خلاف صاحبي العُماني مع ما كتبته إلا أنه كما عهدت أهل عُمان تعامل مع ما كتبته بمنتهى الأدب حتى في الاعتراض. وقد حفزني تعليق صاحبي العُماني على الكتابة ليس من أجل عُمان حسب وإنما من أجل كل الأمة التي تخضع للهيمنة الصهيونية بدرجات قد لا تكون عُمان أسوأ ما فيها.
والاعتراض الذي أورده صاحبي العُماني وهو الاعتراض نفسه الذي سمعته من قبل ويعتمده كثير من المعتذرين للوجود الصهيوني العسكري في أرض العرب والذي يحاول أن يسوغ لذلك الوجود في أنه ليست هناك قواعد، وإنما الحال هو كما وصفه صاحبي العُماني بما يلي: “لا أعتقد أن هناك أي قواعد أجنبية في عمان وربما توجد اتفاقيات تعاون عسكري وأمني مع أمريكا وبريطانيا والغرب عموما ولكنها فقط تعاون وتسهيلات محكومة بشروط وموافقات…….”
إن محاولة التخفيف من هول الهيمنة الصهيونية على العرب والادعاء بأنه لا توجد قواعد وإنما هي معاهدات تعاون هي محاولة بائسة ذلك لأن استعمال كلمة قاعدة بالعربية هي ترجمة لكلمة(Base) التي يستعملها الصهيوني، والاستعمال العربي هو استعمال مجازي فلو شاء المعترض لوصف ذلك بحق “وجود عسكري” أو انتفاع عسكري للصهيونية في أرض العرب، لكن هذا التمييز ليس سوى تلاعب بالألفاظ لأن المهم ليس من يمتلك الأرض التي يوجد عليها الصهيوني أو ينتفع منها وإنما المهم هو مقدار الاستفادة والانتفاع. بل ربما يكون عدم امتلاك الصهيوني للأرض التي بُنيت عليها قاعدة مثل قاعدة العديد هو أفضل له من تملكها ذلك لأنه في هذا الحال لا يتحمل كلفة بناء القاعدة وصيانتها وإدامتها فهو ينتفع بالنتيجة دون كلفة بينما يتحمل هذا الصهيوني كلفة قاعدته الجوية في ألمانيا وفي قبرص على سبيل المثال.
أهم صفات الاتفاقيات والمعاهدات العربية الصهيونية
لا توجد دولة عربية ليست موقعة على معاهدة أو اتفاق عسكري أو أمني أو تدبيري، أو هي موافقة أو متفاهمة على ذلك، مع دولة صهيونية أو أكثر. وليس كل هذه المعاهدات والاتفاقات معلنة أو معترف بوجودها، إلا أن القائمة التي سأنشرها في نهاية هذا المقال بما هو معروف من المعاهدات والاتفاقيات وما يترتب عليها من وجود صهيوني أو من خدمات وصلاحيات وتسهيلات للصهيونية في أرض العرب، يجب أن تجعل كل عربي يتوقف عندها وينظر إلى نفسه في المرآة ثم ليحكم كم يحترم نفسه كي يتوقع من العالم غير العربي أن يحترمه. حيث لا يوجد قوم على الأرض اليوم ولا بقعة أرض تخضع هذا الخضوع لهيمنة قوة خارجية خضوع العربي للصهيونية. أما الذي يستيقظ لصلاة الفجر فليستغفر ربه وليتوسل إليه أن يقبل صلاته، والتي لا أعتقد أنه تعالى سيقبلها، ذلك لأنه يعصي الله في أمره: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.”
ولابد من عدد من الملاحظات المهمة حول هذه المعاهدات والاتفاقيات والقواعد والصلاحيات التي تترتب عليها وذلك لتنبيه القارئ بما خلفها من خطر وذل.
أولا: تطابق الأمن القومي العربي مع الصهيوني
نحن لم نختر أعداءنا بل هم الذين اختارونا، ولم يحدث هذا في القرن العشرين وإنما في القرن الحادي عشر حين جاءوا إلى سواحلنا وادعوا أنهم جاءوا ليحموا بيت ربهم. وهم في نفاقهم نسوا أنه لو أن ربهم يحبهم كما يقولون لظهر بينهم وليس بيننا. ثم شغلوا لقرون بقتال بعضهم بعضا قبل أن يستيقظ حقدهم من جديد في القرن التاسع عشر، فجاءوا قضهم وقضيضهم لاحتلال أرضنا، بدعوا نشر أكذوبة الديموقراطية التي لم يطبقوها في بلدانهم أو لتطبيق قواعد حقوق الإنسان التي يغيرونها متى شاؤوا حتى أصبح حمل لافتة قصيرة في شوارع لندن يقود إلى الحكم بتهمة الإرهاب والسجن لمدة أربعة عشر عاما.
وارتكبوا أبشع الجرائم بحق العرب في قرن واحد من الزمن مكملين بذلك جرائم الإبادة التي أوقعوها في قارتي أمريكا وأستراليا على سبيل المثال. والسؤال الذي لابد أن يسأله دارس التاريخ أو السياسة أو القانون هو ما الذي يدعو لعقد معاهدات أو اتفاقيات بين دولتين أو فئتين: والجواب لابد أن يكون لتطابق في المصلحة، وهنا لابد للعربي أن يسأل أين يتطابق الأمن القومي العربي مع الأمن الصهيوني؟
أهو في اغتصاب مسرى الرسول الأعظم في القدس؟
أم هو في سرقة النفط وغاز العرب؟
أم هو غزو وخراب دولة لم تعتد يوما على الغرب؟
أم هو في حصار تام لشعب كامل لمدة 13 عاما؟
أم هو بطمس القرآن من خلال فرض تغيير في مناهج التعليم؟
أم هو في البدع الهدامة للنسيج الاجتماعي العربي؟
أم أم أم؟ وهذا سيل لا يتوقف، فأين يتطابق أمننا وأمنهم؟
إن التناقض بين الأمن القومي العربي وبين مصالح الصهيونية في العالم لا يمكن أن يؤدي إلى قاعدة للاتفاق على خدمة مصلحة مشتركة حتى يمكن أن يكون هناك توافق يسمح بالتعاقد. بل إن العكس هو الصحيح في أن مصلحة الصهيونية مناقضة للوجود القومي العربي بالكامل. فكيف وقعت أية دولة عربية على معاهدة أو اتفاق مع الصهيونية في ظل هذا؟ وكيف سوغت ذلك أبعد من حماية حاكم في ذلك البلد.
ثانيا: سرية المعاهدات والاتفاقيات
لم تنشر أي دولة عربية تفاصيل معاهدة أو اتفاق وقعته مع أي دولة صهيونية فإذا احتج أحد بأن سرية المعاهدات يقتضيه الأمن الوطني للدولة الموقعة، فهو احتجاج مردود لأن كل معاهدة توقعها أي دولة صهيونية يجري تداولها بين أجهزة المخابرات الصهيونية في العالم كله وذلك بحكم تحالفاتها المتعددة والملزمة للمشاركة.
كما أن الحاكم العربي الذي لا يؤمن بقومه وإخلاصهم وانتمائهم حتى يطلعهم على ما يتعاهد هو عليه باسمهم ومن أجله ألا يجدر به أن يطلع مجلس النواب أو مجلس الشعب أو مجلس الشورى، أياً كانت تسميته في ذلك البلد، على تفاصيل المعاهدة ولو في جلسة سرية لذلك المجلس؟ فهل أطلع رئيس وزراء العراق على سبيل المثال مجلس النواب على المعاهدة التي وقعها مع جورج بوش بعد غزو العراق واحتلاله؟ فإذا لم يفعل ولم يفعل، فما معنى الحديث عن الديمقراطية التي جاء بها الاحتلال والتي يتغنى بها المهللون بتحرير العراق من حكم البعث؟ أن السبب العقلي الوحيد لعدم نشر تفاصيل المعاهدة أو الاتفاق هو تضمنها لبنود تعطي الصهيونية صلاحيات واسعة وحرية تصرف غير محدودة ليست في مصلحة الحاكم إطلاع قومه عليها، وبخلاف ذلك فما عذره في ستر تلك المعاهدة عنهم.
ثالثا: انعدام أي ضمان للدفاع عن البلد العربي المتعاقد
أن معاهدة حلف الشمال الأطلسي على سبيل المثال تتضمن مبدأ أساسا في البند الخامس منها يلزم أعضاء الحزب الدفاع عن أي دولة طرف في المعاهدة إذا تعرضت لعدوان. لكنه ليس في أي من المعاهدات أو الاتفاقيات بين الصهيونية وأية دولة عربية بندا كهذا أي بمعنى آخر أن كل المعاهدات التي وقعتها أية دولة عربية مع دولة صهيونية مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا ليس فيها فقرة أمن لحماية تلك الدولة العربية الموقعة إذا تعرضت لعدوان. فإذا لم يقم هذا الضمان فكيف سيحتج الحاكم العربي بأن التعاقد مع الصهيوني هو من أجل حماية قومه؟ ثم ألا يعني هذا أن المنتفع من أية معاهدة كهذه تخلو من التعهد بحماية الدولة العربية، هو أن المنتفع الوحيد من المعاهدة هو الصهيونية دائما؟
رابعا: ما معنى الحاجة لموافقة الدولة العربية
احتج صاحبي العُماني في رسالته كما احتج آخرون بأن كل معاهدة أو اتفاقية تتضمن شرط موافقة الدولة العربية على أي إجراء تقوم به الجهة الصهيونية قبل القيام بهذا الإجراء. لكن فقرة كهذه في المعاهدة لا قيمة لها لعدة أسباب، فما الذي ستفعله الدولة العربية لو أن الصهيونية لم تطلب موافقتها قبل قيامها بأي عمل؟ أو أنها قامت بالعمل برغم رفض الدولة العربية منح موافقتها على عمل مقترح؟
لكن الأخطار من كل هذا وفي غياب نص معاهدة أو اتفاقية لابد أن نسأل كيف لنا أن نعرف أن الصهيونية لم تضمن تلك المعاهدة فقرة تتيح لها في حالة تصفها بالضرورة الوطنية أو بالمستعجلة أو الخطيرة تلغي فيها حاجة طلب الموافقة، وهو ما يعني أنها قادرة على إلغاء قيمة شرط الموافقة في أي عمل تقوم به إن وجد في الأساس.
خامسا: حجة تبادل الخبرات والتدريب
يدعي الحكام العرب الذين وقعوا معاهدة الذل مع الصهيونية أن من أهداف تلك المعاهدة القيام بتدريب الصهيونية لجيوشها وأجهزتها الاستخبارية لتطوير دفاعها واستخباراتها بما يعود بالنفع على الدولة العربية المفرطة بسيادتها. وهذا الادعاء مردود لعدة أسباب: فجيوش الصهيونية وأجهزة استخباراتها لن تتعلم من جيوش العرب شيئا حتى تدخل في معاهدات لهذا الهدف. وهي أي الجيوش الصهيونية لا يمكن أن تكون حريصة أو راغبة حقا في تطوير جيوش العرب، لأنها لا تريد تطوير جيش ليست متأكدة أنه لن ينقلب عليها يوما، خصوصا وهي تعلم علم اليقين أن ما من حاكم العربي مطمئن تماما على وجوده وديمومة حكمه.
ثم أن هناك سببا آخر لبطلان الحجة لهذه الحاجة. ذلك أن التقنية التي أدخلتها ثورة المعلومات الرقمية نقلت الحرب وأدواتها وخططها إلى عالم جديد من لا يفهم فيه فلا مقدرة له ولا نفع فيه في أي بحرب مقبلة. وحيث إن الصهيونية تعتمد على طغيانها النووي فهي لم تهتم كثيرا بتطوير استعدادها للحرب الحديثة والتي تمكن عشرات المسيرات السهلة الإنتاج وبأسعار بسيطة أن تشل عمل قاعدة جوية تحتوي على عشرات الطائرات من طراز F-35 الحاملة للرؤوس النووية والتي تكلف كل واحدة منها عشرات الملايين من الدولارات، كما كشفت بذلك حرب أوكرانيا والعدوان الصهيوني الأخير على إيران. وحيث أن السلاح النووي وتطويره وأدواته لا تنفع العرب فإن المعاهدات لا بد أن ترمي لتدريب جيوش العرب على التقنية العسكرية الحديثة وأدواتها، لكن من تابع الجيش البريطاني للسنوات العشر الأخيرة كما فعلت فإنه لا يمكن أن يغيب عنه ما أقر به رؤساء أركانه على مدى العقد الماضي من انعدام مقدرته على مواكبة سبل الحرب الحديثة حتى أن وزير الحرب الذي استقال قبل أسبوعين قال أنه من المستحيل إصلاح الجيش البريطاني المعطوب، فما الذي سيتعلمه جيش عُمان على سبيل المثال من الجيش البريطاني المهلهل مما يسوغ المعاهدات والاتفاقيات مع بريطانيا؟ إذ يبدو لي أن التعاون العسكري مع الصين أو كوريا الشمالية لا شك سيكون أنفع وأنجع لجيش عُمان الصاعد.
للحديث صلة.
حيث سأعرض جدولا بالمعاهدات وما يترتب عليها من هيمنة
24 حزيران 2026