مجازر غزة بغطاء أمريكي!
توفيق سلاّم
الموقف الأمريكي الرسمي من التطورات في غزة، لا يختلف عن الموقف الإسرائيلي، وأن الدعوات التي تصدر من هنا وهناك، والتي تدعو الى تجنّب القتل الجماعي للضحايا المدنيين، لم تغير من واقع الحال في شيء، فلا منهما يعير منهما اهتمامًا للانتقادات العالمية لـ”إسرائيل” وإدارة بايدن.
فأمريكا تدرك أهمية منطقة الشرق الأوسط، وما يشكله النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن الثمينة من أهمية بالغة في الاقتصاد والصناعة والتجارة، وبدون النفوذ الأمريكي على المنطقة لن تتمكن من فرض هيمنتها على العالم. وتكمن أهمية فلسطين في الصراع، ليس فقط لأنها منطقة نفطية وغازية واعدة فحسب، بل تشكل عمقًا استراتيجيًا، مع دول الجوار، فهي تشكل منذ العام 1948 خط دفاع متقدم. فضلاً عن أهميتها التجارية كمركز حضري في العالم القديم، فكانت تتنافس عليها إمبراطوريات عالمية. وقد سعى المرابين والتجار اليهود، إلى منافسة الإمبراطوريات، في مناطق كثيرة من العالم، ومنذ البداية تصادموا مع الإمبراطوريات التي كانت تسعى مثلهم للسيطرة على المنطقة بدءًا من المقدونيين، ثم الرومان والبيزنطيين والعرب والأتراك والمغول والصليبيين والمماليك، وفي العصر الحديث اصطدموا مع الروس والبريطانيين والألمان والفرنسيين والطليان.
كانت فكرة طرد اليهود والتخلص منهم في أوروبا قائمة
وكان أبرز مصرفييهم الموجودون في بريطانيا مثل “روتشيلد” ومن خلال تحالف الحركة الصهيونية مع الإنجليز وهي إمبراطورية كبيرة، بما تمتلكه من نفوذ اقتصادي وسياسي وعسكري ومالي لضرب الإمبراطوريتين العثمانية والألمانية في الحرب العالمية الأولى ( 1918- 1914).
صدر بيان علني أصدرته الحكومة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى لإعلان دعم تأسيس “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، كانت حينها منطقة عثمانية ذات أقلية يهودية (حوالى 3-5% من إجمالي السكان).
نص الوعد
“تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.
هذا الوعد جاء ضمن رسالة بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 موجهة من وزير خارجية المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العُظمى وإيرلندا.
وبعد إعلان المملكة المتحدة الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914، بدأ مجلس وزراء الحرب البريطاني حالاً في النظر في مستقبل فلسطين. وبحلول آواخر 1917، قبيل إعلان بلفور، ووصولها في الحرب العالمية الأولى إلى طريق مسدود، إذ لم تشارك حليفتا بريطانيا بالحرب بشكل كامل، فالولايات المتحدة لم تعاني من ضرر كبير بسبب الحرب، وكان الروس في خضم ثورة 1917.
ويمكن إرجاع أول مفاوضات على مستوى عالٍ بين البريطانيين والصهيونيين إلى مؤتمر أُجري في 7 فبراير من عام 1917، تضمن السير مارك سايكس والقيادة الصهيونية. قادت النقاشات التي تلت هذا المؤتمر إلى طلب بلفور في 19 يونيو من روتشيلد وحاييم وايزمان لتقديم مشروع إعلان عام. نُوقشت مشاريع واقتراحات أُخرى أبعد من قِبل مجلس وزراء بريطانيا خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول مع مُدخلات صهيونية ومُعادية للصهيونية، ورئيس بلدية يافا الدكتور يوسف هيكل من دون أي تمثيل للسكان المحليين لفلسطين. وسمح بالإفراج عن الإعلان النهائي بحلول 31 أكتوبر/تشرين الأول، وكان لمناقشات مجلس الوزراء هذه إطلاق بروباجاندا بين أوساط اليهود حول العالم لنية الحلفاء في الحرب.
ومثلت الكلمات الأولى في نص الوعد، أول تعبير عام عن دعم قوة سياسية كبيرة للصهيونية. لم يكن لمصطلح “وطن قومي” (وَرد في نص الإعلان باللغة الإنجليزيّة national home) أي سابقة في القانون الدولي، وقد أُورد المصطلح غامضاً عمداً دون الإشارة إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. كما لم يتم تحديد حدود فلسطين المعنية، وقد أكَدت الحكومة البريطانية أن عبارة “في فلسطين” تشير إلى أن الوطني القومي اليهودي المُشار إليه لم يُقصد أن يُغطي كلَّ فلسطين. أُضيف الجزء الثاني من الوعد لإرضاء المعارضين لهذه السياسة، ممن ادعَوا أن هذا الإعلان سيضر بوضع السكان المحليين لفلسطين، وسيشجع معاداة السامية الموجهة ضد اليهود في جميع أنحاء العالم. دعا الإعلان إلى حماية الحقوق المدنية والدينية للعرب الفلسطينيِين، والذين كانوا يشكلون الأغلبية العُظمى من السكان المحليين لفلسطين آنذاك.
اعترفت الحكومة البريطانيّة عام 1939 أنه كان من المفترض أخذ آراء السكان المحليين بعين الاعتبار، واعترفت عام 2017 بأنه كان ينبغي أن يدعو الإعلان لحماية الحقوق السياسية للعرب الفلسطينيين في ردها على الحملة الدولية أطلقها مركز العودة الفلسطيني في لندن لمطالبة الحكومة البريطانية الاعتذار عن وعد بلفور.
كان لهذا الوعد آثار طويلة الأمد كثيرة. فقد زاد هذا الوعد من الدعم الشعبي للصهيونية في أوساط المجتمعات اليهودية في أنحاء العالم، وقاد إلى قيام فلسطين الانتدابية، وهو المصطلح الذي يشير حالياً إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية. ونتيجة لذلك، فقد تسبب هذا الوعد بقيام الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يُشار إليه غالباً بأكثر صراعات العالم تعقيداً.
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
من المفيد هنا إعادة التذكير بجوهر وتاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وأسباب الدعم الأمريكي اللامحدود لحرب إسرائيل الإجرامية المخالفة للقوانين الدولية. فهذه العلاقة توصف “بالعلاقة الخاصة”، كما وصفها الرئيس جون كينيدي. ويجني المسؤولون الأمريكيون فوائد شخصية من دعم إسرائيل، وخصوصًا في ظل فاعلية اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، والتأييد السياسي الواضح الذي تتمتع به إسرائيل بين الكنائس الإنجيلية، إضافة إلى ذلك لدى إسرائيل من النفوذ والمكانة والقدرات ما يجعل معاداتها أو انتقادها مكلفًا داخل أمريكا، فالصهاينة يسيطرون على كبرى شركات رؤوس الأموال في أمريكا والعالم.
وبالرغم من الدعم الأمريكي لإنشاء دولة يهودية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن العلاقة بين الطرفين لم تتطور إلا بعد حرب عام 1967، حين أظهرت إسرائيل تفوقها العسكري على حليفي الاتحاد السوفيتي “مصر وسوريا”، وبانتصارها في الحرب، أيقن الأمريكيون بأن لإسرائيل قيمة استراتيجية، يمكن أن تكون قاعدة كبرى لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وجعلها أداة بدور وظيفي، في احتواء الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط، وردع القوى العربية المناوئة للغرب، وتأمين إمدادات النفط. وبالرغم من انتصار مصر في حرب أكتوبر 1973 على إسرائيل، إلا أن السادات غير مسار العلاقات مع السوفييت والمعسكر الشرقي واتجه بمصر نحو الغرب، وشكل هذا التحول بداية نكسة تاريخية للأمة العربية، وانتقال الدور المحوري إلى السعودية بدلاً من مصر. وكانت إسرائيل بعد ثورة مصر قد بدأت توسع علاقاتها مع بعض الحركات الدينية المناهضة لمصر، وفي دول الجوار التي نالت استقلالها، وشكلت قطيعة مع الاستعمار الأوروبي. إلا أن هذه التحولات لم تدم طويلا، فبينما تقلص نفوذ الاستعمار الأوروبي من بعض الدول العربية، إلا أن مصالحه وارتباطاته بقيت مع دول النفط، وجاء الأمريكي ليستبعد أو يحل نفسه، أو يبقي جزءًا من النفوذ الأوروبي كما هو حاصل في الخليج، وتمتع بعلاقات واسعة مزحزحًا النفوذ السوفيتي في عدد من المناطق العربية، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي هيمن على المنطقة بشكل مطلق.
اليوم أصبحت أمريكا عارية تمامًا ليس فقط أمام الشعوب العربية والإسلامية، بل أيضًا أمام قطاعات عريضة من الشعوب الغربية، بعد الانحياز الأورو أمريكي إلى جانب إسرائيل في حربها الإجرامية على المدنيين الفلسطينيين ليس في غزة وحدها التي حازت النصيب الأكبر من التدمير والقتل، ولكن أيضًا في الضفة الغربية التي تواجه هجمة شرسة تستهدف التطهير العرقي للفلسطينيين.
ومن الواضح أن أي تغير في الموقف الأمريكي بات متأخرًا للغاية تجاه غزة. فالشغل الدبلوماسي على الجوانب الإنسانية، لا يمكن أن يبرىء أمريكا عن سوأتها، بعد أن تعرت أمام العالم، وتجاوزها بخفة القوانين الدولية، لاسيما بعد استخدامها “الفيتو” في مجلس الأمن ضد قرار وقف الحرب. ولم تعد محل ثقة، فيما تقوله وما تفعله، فالشعارات التي كانت ترفعها، حول الديمقراطية وحقوق الإنسان لم تعد بريقًا جاذبًا، ولا مغريًا للشعوب، وأصبح العالم اليوم يستوعب، أن لكل شعب خصوصيته في تطبيق الديمقراطية، بعد أن تبين أن هذه المساحيق هي جزء من حروبها الناعمة، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بفرض وصاياها وتدخلها في الشؤون الداخلية. ومهما ارتفعت تصريحات المسؤولين الأمريكان حول الجوانب الإنسانية، لم يعد هذا الخطاب جاذبًا ومؤثرًا في ذلك، بل أصبح تحت مفرداته اختزال الجريمة بالهدنة التكتيكية، بينما استمرار الجريمة نافذة.. حتى الحديث عن المعونات الإنسانية، وهي بالقطارة.. لم تعد تحمل جوهر الإنسانية، بل تحمل جوهر النازيين في إذلال المجتمع، وتجويعه بالحصار لتركيعه وخضوعه واستسلامه بهذه الطريقة البشعة وهي أيضًا جريمة حرب.
تصريحات وقحة، وهي في الأخير حالة من الافتعال المبطن للأدوار الإنسانية الأمريكية، لا تنطبق ومع السلوك الإجرامي البشع أبدًا، وقد ظهرت أمريكا رسميًا وأمام الملأ، تأييدها ودعمها ومساندتها لإسرائيل النازية في شن حربها على المدنيين.. هذا لا يفهم إلا في سياق الحروب الدينية، وهو ما بدا واضحًا من خلال العمليات العسكرية في التطهير العرقي للسكان، بما في ذلك سرقة وخطف الجثث. فعلى اختلاف الأعراق والأجناس والأديان، لا يمكن ابدا..ابدأ، لأي صاحب ضمير أن يدعم المجازر الجماعية في غزة، وسقوط هذا العدد الهائل من المدنيين، خاصة النساء والأطفال، وسط وهم القيم الأمريكية- الغربية، وهو الأمر الذي أشعل موجة غير مسبوقة من العداء لكل ما هو أمريكي غربي، بالإضافة إلى الانقسامات الواضحة في الداخل الأمريكي نفسه، حيث يتعرض الدعم الأمريكي لإسرائيل -حاليًا- لضغط مكثف من جانب الرأي العام، وارتفعت الأصوات داخل الولايات المتحدة ترفض الانحياز المطلق لإسرائيل، وجرت استقالات احتجاجية لبعض كبار الموظفين والدبلوماسيين في وزارة خارجيتها، وكذلك كان لافتًا المظاهرات الصاخبة أمام مبنى الكونجرس لجمعية “أصوات يهودية من أجل السلام” مطالبة بوقف الحرب على القطاع المحاصر، وحركة “حياة السود”، الأمريكية ودعمها للفلسطينيين، فحياتهم أيضا مهمة من السياسات العنصرية وبالذات النخب المتطرفة.
الدعم الأمريكي
الولايات المتحدة الأمريكية تدعم إسرائيل، ليس فقط بالمساندة الديبلوماسية والحيلولة دون اتخاذ قرارات دولية ملزمة بوقف العدوان، ولكن أيضًا في إمداد الكيان الصهيوني بكافة أشكال الدعم السياسي والمساعدات المالية واللوجستية والتسليحية والاستخبارية والإعلامية.
وإرسال الخبراء العسكريين من البنتاجون للمساعدة في خطة الاجتياح البري، بالإضافة لذلك هرعت أمريكا إلى إرسال حاملتي الطائرات “جيرالد فورد” و”إيزنهاور”، وسفن حربية وخمسة الآف جندي مارينز.. لماذا كل ذلك؟
يقول رئيس مجلس النواب الأمريكي المنتخب حديثاً مايك جونسون “سنطرح مشروع قانون مستقل لتمويل إسرائيل هذا الأسبوع في مجلس النواب، أعلم أن زملاءنا الجمهوريين في مجلس الشيوخ، لديهم إجراء مماثل”، وكذلك صرح وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بأن أمريكا تدرس الطلبات الإسرائيلية للحصول على مساعدة عسكرية إضافية للعمليات في قطاع غزة.
لا يبدو كل ذلك مستغربًا، فحتى أكتوبر 2023، وقعت الولايات المتحدة مبيعات عسكرية أجنبية مع إسرائيل بقيمة 23.8 مليار دولار، بحسب الموقع الإلكتروني للكونجرس الأمريكي. بالإضافة إلى ذلك وافقت الولايات المتحدة على مواصلة بيع معدات عسكرية بقيمة تزيد عن 5.7 مليارات دولار لإسرائيل من خلال المبيعات التجارية المباشرة من السنوات المالية 2018 حتى 2022. إلا أن المساعدات المالية والعسكرية والاستخبارية هي أمور تبدو اعتيادية بين أمريكا وإسرائيل إلى حد كبير، ولكن الجديد هو الانحياز الأمريكي السافر واللا أخلاقي بتوفير لها الغطاء السياسي والعسكري لقتل المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنساء الذين يشكلون ثلثي أعداد الضحايا، وهو الأمر الذي أصاب قطاعات جماهيرية عريضة حول العالم بالصدمة التي تجلت في مظاهرات غير مسبوقة في جميع العواصم الأوروبية والولايات الأمريكية، وهي الضغوط التي ظهرت أثرها جليًا في التغيير النسبي للخطاب الأمريكي مؤخرًا. هذا الدعم ليس وليد اللحظة، بل هو في سر “العلاقة الخاصة” بين واشنطن وتل أبيب، تطورت منذ فترة الرئيس الأمريكي “هاري ترومان”، كأول رئيس أمريكي يعترف بالدولة اليهودية في عام 1948، واستمر نهج الدعم الأمريكي غير المحدود للكيان الصهيوني في عهد الرؤساء الخلف للولايات المتحدة، وهو ما يؤكده اليوم الرئيس بايدن بدعمه اللامحدود لإسرائيل، وكل ذلك لم يكن مفاجئًا، أو مغايرًا عن الخط الأمريكي منذ 70 عامًا. وبحسب دراسة صدرت العام الحالي عن مركز خدمة أبحاث الكونجرس، فإن الولايات المتحدة قدمت لإسرائيل مساعدات منذ 1948 حتى مطلع 2023 بقيمة 158.66 مليار دولار. ومنذ بداية حرب طوفان الأقصى أقر الكونجرس دعم عاجل بقيمة 14.3 مليار دولار. ووفقًا لصحيفة “أمريكان نيوز”، فإن الأمريكيين من دافعي الضرائب يدفعون أكثر من 13.1 مليون دولار لإسرائيل يوميًا. وربما يفسر استمرار الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني، بسبب نفوذ اللوبي الصهيوني القوي في هياكل ومؤسسات الدولة، واعتقاد الرؤساء الأمريكيين أن تجاوز اللوبي الصهيوني سيكلف أثمانًا سياسية باهظة. وربما زيارة بايدن تستهدف أوراق وملفات عديدة، وأهمها: الحفاظ على توازن الدخل الإسرائيلي من الانهيار نتيجة الانقسامات الداخلية، والأزمة السياسية في الحكومة، والانهيار الاقتصادي. والتأكيد على الدعم اللامحدود، وتوفير الغطاء السياسي. والاستمرار في تنفيذ أهداف الخطة العسكرية.
ردود الأفعال
الانحياز الأمريكي السافر للكيان الصهيوني شكل حافزًا لاستهداف المصالح الأمريكية بكافة أشكالها، فالجماعات المسلحة في العراق واليمن ولبنان تكشف صراحة عن هذا الاستهداف، وقد نفذت بالفعل بعض العمليات ضد القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا والعراق، واستهداف ميناء الرشراش( إيلات) بالصواريخ الباليستية والطيران المسير من اليمن، وهددت صنعاء باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر وباب المندب، كما وقفت الشعوب العربية والإسلامية وقطاعات لا يستهان بها في أمريكا اللاتينية والأوروبيين ضد المصالح الأمريكية وخاصة الاقتصادية منها.
مخطط التهجير
بدأ العدو الصهيوني هجومه على قطاع غزة، في اليوم الثالث بعد الهدنة الإنسانية التي دامت 7 أيام، وانتهت الجمعة الماضي، وسط دعوات متتالية من قوات الاحتلال لسكان القطاع بإخلاء منازلهم من عدة مناطق، شملت مدينة خان يونس بأكملها باتجاه رفح. وألقى جيش الاحتلال الإسرائيلي منشورات تطالب سكان غزة بالتوجه إلى منطقة رفح، عقب إعلانه أن مدينة “خان يونس” منطقة قتالية، وسط قصف عنيف طال مناطق واسعة من القطاع بالصواريخ وبالقنابل العملاقة التي زودت بها أمريكا إسرائيل مؤخرًا. كما وجه جيش الاحتلال نداء إلى سكان أحياء “المحطة، والكتيبة، وحمد، والسطر، وبني سهيلا ومعن في البلوكات 36، 54-38، 221-219 إلى اخلاء منازلهم والانتقال إلى مآوي النازحين المعروفة في أحياء الفخاري، والشابورة والزهور وتل السلطان. وكانت طائرات العدو تلقي بمنشورات للسكان تطالبهم فيها بالتوجه إلى ملاجئ في منطقة رفح، أو المناطق الموصى بها.
وللعلم أن رفح يوجد بها نحو مليون و 30 ألف شخص نزحوا داخليًا، ويعيشون أوضاعًا هي الأصعب على الإطلاق، وتنتهج قوات الاحتلال الإسرائيلي أساليب الضغط بإصدار أوامر بالنزوح، مستخدمة قوى النيران والقتل المباشر لكي يتجمع السكان في معبر رفح التي امتلأت منازلها بأضعاف سكانها، وهو ما تنعكس به دلالة سياسية تمثل استكمال مخطط التهجير القسري.
وما يحدث على أرض الواقع يعكس أن المخطط نحو التهجير، لا يزال مستمرًا، ويتنافى مع كل التصريحات بشأن منع تهجير السكان، أو تعرض مناطق المدنيين للاستهداف، بحسب التصريحات الأمريكية، بينما هي من توفر الغطاء لإسرائيل لعمل العكس.
وخلال الأيام التي مارست فيها قوات الاحتلال الاعتداء على غزة، لم تستثن أي موقع في القطاع من القصف، حتى الأماكن التي ادعت أنها أماكن لجوء أو آمنه.
ومن خلال توثيق مناطق الاستهداف تبين أن جميع المناطق في غزة يتم قصفها حتى تلك التي يُطلَب من السكان النزوح إليها.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشدد فيه مصر على أن التهجير “خط أحمر”
ورفض مصر والأردن التام للتهجير القسري للفلسطينيين ونزوحهم لأراضي سيناء.
مخطط تقسيم غزة
وجه جيش الاحتلال الإسرائيلي رسائل تهديد لسكان قطاع غزة تطالبهم بإخلاء منازلهم فورًا، وأرفقها العدو بخريطة مرقمة تقسم القطاع إلى مئات المناطق الصغيرة “بلوكات”، محذراً من أنه سيبدأ هجومًا عسكريًا ساحقًا، على مناطق سكنهم. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن طلبت من الاحتلال الإسرائيلي محاولة تجنب إيذاء المدنيين، وعدم السماح بتهجيرهم، ولكن ذلك من قبيل الدعاية السياسية، واخفاء وجهها، أمام ما يحدث وتحت إشراف خبرائها في غرف العمليات العسكرية.
القصف الوحشي المجنون لا ينقطع على قطاع غزة، فقد شنت قوات الاحتلال يوم السبت الماضي، هجومًا عنيفًا شمل مناطق واسعة من القطاع، وقالت مصادر فلسطينية إنه الأكثر دموية منذ بدء الحرب وخلف 300 شهيد ومئات الجرحى نتيجة استخدام القنابل العملاقة التي أرسلتها الولايات المتحدة ضمن شحناتها العسكرية الأخيرة لتل أبيب.
2023-12-08