ما هو الإنسان؟ سر القرآن وعظمة محمد!
د. عمر ظاهر
الخوض في غمار الدين مغامرة محفوفة بالمخاطر، فأي حديث فيه بلا حذر شديد قد يثير ردود أفعال انفعالية، وعاطفية، ومعتقدية، ليس بالضرورة من جانب المتعصبين لهذا الدين أو ذاك، بل من قبل المتعصبين ضد الدين أيضا. هؤلاء أيضا لهم دينهم، إنما هو نقيض الدين الذي تعودنا أن نعنيه عندما نذكره. إلا أن المغامرة تكون أحيانا ممتعة، بل وضرورية، وتستحق أن يتحمل فيها المرء المضايقات والنظرات الشزرة من هذا المتعصب، وذاك المتطرف، خاصة إذا كان المرء حريصا على نشر ما يراه حقيقة.
أقول، والحديث عن تجربة وقناعة، أنه لا يوجد على وجه الأرض إنسان ملحد؛ كل إنسان ترقد في رأسه فكرة أنه لم يخلق سُدى، وهذه الفكرة ستفيق عاجلا أو آجلا، وتملأ رأسه وكل كيانه. نعم، ليس هناك أي ملحد، لكن هناك الإنسان الذي تنتابه الشكوك؛ وهناك الإنسان الغاضب على الظلم الذي يرجعه إلى الخالق، أو يستغرب صمت هذا الخالق الجبار على الظلم؛ وهناك المغرور، إلى حين، بالعلم الذي لم نؤتَ منه إلا قليلا؛ وهناك، وهذا أخطر ما في الأمر، التاجر الذي يكسب، ويربح من تعميق الشكوك وحتى نشرها منطلقا من فلسفة تجعلنا نتبسم، وهي أن الذي في رأسه عقل ويصدق بغير المعقول يستحق أن يعيش تعيسا، خاصة إذا كانت في تعاسته منفعة للتاجر. إن التاجر بالإلحاد لا يتحمل مسؤولية من لا يستخدم عقله، وكأنه يعمل بما تقوله الآية القرآنية {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
وهناك بيئات، سياسية واجتماعية، جعلت من معاداة فكرة {الله} عقيدة، وأمعنت في تغليب العقيدة على كل شيء، وكأنها المدخل إلى النعيم الأرضي، والعدالة الأرضية، والسلام بين البشر. لسان حالهم يقول: تخلَّ عن فكرة أن هناك خالقا، فيرى عقلك النور، فينتج، ويبدع، ويتطور، ويتقدم. والواقع أنهم بذلك يُدخلون العقل في متاهات وظلمات لا مخرج منها. ثم إن العقيدة غير مقنعة.
ما الوعي وما المادة؟ فلاديمير لينين يجيب
أشاروا عليّ أيام كنت فتى غضا بكتاب قيّم في الفلسفة من تأليف مجموعة من الأساتذة السوفييت. يا إلهي كم استمتعت بالقراءة فيه حتى وصلت إلى تعريف الأساتذة للوعي، فقالوا: إن الوعي هو وظيفة المادة عالية التنظيم، أي الدماغ. هذا هو تعريف المادية الديالكتيكية للوعي. ولكنْ، يتساءل العقل: أي جزء في كيان الإنسان، بل في كل كيان حي، ليس عالي التنظيم؟ هل الخلية، سواء العصبية، أو الجنسية، أو غيرها، ليست عالية التنظيم؟ وهل العين ليست عالية التنظيم؟ لهذا قلنا إن العقيدة غير مقنعة، بل وعقيمة.
ثم يحوّلون الفتى إلى الدفاتر الفلسفية لفلاديمير لينين. لينين لم يكن سياسيا فذا وحسب، بل وكان فيلسوفا عبقريا اعتنق الفلسفة المادية وأخرجها من أعمق أزماتها. حين قام رذرفورد، في بداية القرن العشرين، بفلق الذرة، قال المثاليون: انظروا إن المادة تلاشت؛ المادة وهم، وكذلك المادية. ذلك لأن العالم كان حتى ذلك اليوم يعتبر الذرة أصغر وحدة في بناء المادة، فهدم رذرفورد ذلك البناء. لكن لينين وجد مخرجا، فقد أعاد تعريف ما هو مادي. قال إن المادي ليس له علاقة بشكل المادة. المادي هو كل ما يوجد خارج وعينا. كانت تلك في نظر أنصاره ضربة معلم، فهناك الوعي وهو انعكاس للعالم الموضوعي، وهناك كل ما هو خارج الوعي وهو مادي وموضوعي. لكن من يتخذ موقفا ناقدا كان ليسأله: وعي الآخرين موجود خارج وعيي، فهل وعي الآخرين مادي وموضوعي؟ ووعيي أنا خارج وعيك، فهل هو مادي وموضوعي؟ ولم ينفع في هذا المأزق الجديد التلاعب بالألفاظ: هل المادي والموضوعي موجود خارج وعيي؟ أم خارج وعينا الجمعي، أم خارج الوعي عموما؟ انتهى الأمر، دون أن يدرك أنصار لينين (لينين نفسه كان بلا شك يدرك ذلك)، إلى أن الوعي هو كل ما يوجد، وهو موضوعي – خاصة إذا كان الوعيَ المطلق الذي يرى بعض المثاليين أنه هو (الله).
الإنسان يولد مؤمنا ويولد شيوعيا
أنا أفخر دائما بأني لم أكن، ولم أصبح حتى للحظة قصيرة في حياتي، ملحدا، وما ادعيت ذلك حتى حين أخذتني أمواج الشيوعية على متنها، وكنت مستعدا للموت من أجلها، فرمتني من ضفة إلى أخرى، وألقت بي منهكا إلى المنافي. طمأنني أحد المفكرين هنا قائلا: غريب حقا ألا يصبح المرء، وهو في العشرين من عمره، شيوعيا، لكن الأغرب أن يبقى المرء شيوعيا وهو في الستين! إن أنبل أبناء البشرية ينجذبون إلى الأفكار الشيوعية في مقتبل شبابهم، لكن نبلهم يتعرض للتصفية في الأحزاب الشيوعية. هذه الأحزاب هي أوكار لشياطين الرأسمالية. ملخص القول إن الإنسان يولد مؤمنا ويولد شيوعيا نقي السريرة،، لكنه يُسلب كليهما؛ الفقهاء والتجار يسلبونه الإيمان، والأحزاب فطرتَه الشيوعية.
بين القرآن والحرية
على أن أصعب التوازنات في الحياة هي تلك التي بين أن يكون المرء مؤمنا إيمانا لا يتزعزع بالخالق، وبين الرغبة في حياة حرة تتناقض في نقاط كثيرة مع الدين وشرائعه. أية وصفة للحياة الحرة أرقى من تلك التي يتخيلها الطوباوي الذي يحلم بالعيش في مجتمع شيوعي؟ الحقَ الحقَ أقول إن مخاضا طويلا انتهى بي إلى أن الدين لا علاقة له بالله، أو أن الإيمان بالله لا يتطلب أن تكون بالضرورة منتميا إلى أي دين. وقد يبقى باهتا فاغرا فاه من يسمعني أقول إن الحرية التي كنت أرغب بها عشتها وأعيشها دائما بمنتهى لذتها وروعتها، أتنفس عبيرها في قراءة القرآن، فهذه القراءة تحرر عقلي من أغلاله، وتطلقه في ملكوت الحرية. القرآن لا يعزلني عن الحياة ولا عن الحرية. القرآن غذاء لكل عقل حر، ينفر من شعوذات الفقهاء.
وقفت مرارا وأنا أتساءل: هل يمكن أن يغير بعضهم أو يضيف شيئا ويحشره بين: {إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيّرت … فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس}؟ حتى لو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟ هل يمكن لكائن من كان أن يحشر حرفا في {الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان …}؟
لكني لم أعر في أي يوم من الأيام اهتماما لما يسمى “الإعجاز العلمي” في القرآن، فأنا أعتبر هذا تشبثا بذيل العلم المتقلب، والذي لم نعد نعرف الحق فيه من الباطل. وأشعر بالاشمئزاز ممن يحاولون التوفيق بين القرآن وبين تخريفات المحتال البريطاني تشارلس داروين.
فرنسا ومرض معاداة الإسلام
لو ألقيتَ اليوم نظرة على اليوتيوب واطلعتَ على حجم الافتراء الذي تقوم به المؤسسات (العلمية!) الغربية، خاصة الفرنسية، على القرآن، لرأيت عظمة صموده كالجبل {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}. إنهم جعلوا من همروجة (البحث العلمي) مطية يركبونها للوصول إلى كل أكذوبة عن القرآن، وعن الرسول الأكرم محمد. لكن كيدهم يرتد دائما إلى نحورهم، فكل منهم يكذب دون أن يرى أن كذابا آخر يقول ما يناقض كذبته هو.
قرأت في الفترة الأخيرة مقالات للأستاذ عبالحق العاني يتناول فيها من بين ما يتناول عقدة الغربيين مع الدين عامة، خاصة الإسلام. وأنا مع تمييزي الشديد بين الثقافة الغربية الإنسانية التي كافحت أجيال عديدة من المفكرين والمناضلين الأحرار لتكوينها وترسيخها، وبين السياسات المريضة للأنظمة الرأسمالية الغربية، أتفق مع الأستاذ العاني في أن الغرب يعاني من عقدة عميقة تجاه الشرق. الشرق هو أبو الفكر، ومنبت الفلسفة، وفوق هذا وذاك مهد الأنبياء الذين غزت أديانهم الغرب نفسه. يظن بعضهم أن الغرب مسيحي! لا، الغرب ليس مسيحيا. الغرب اليوم هو وريث الوثنيات الأوروبية القديمة، والتي تكوّن جوهر هويته.
إن الغرب سئم من سيطرة الفكر الشرقي المتمثل بالدين على حياته ومقدراته، حتى وصل به السأم حد خلق نبي كذاب لينشئ دينا جديدا ينفي أديان الشرق. لقد خلقوا الكذاب الأشر تشارلس داروين، وجعلوا من تخريفاته دينا جديدا. إن الغرض من داروين كان، إضافة إلى تبريره للسياسات الاستعمارية في نهب الشعوب بفلسفة البقاء للأقوى، الانتقام من الشرق، وتحدي فكره الراسخ الجذور. ويتحدثون عن العلمانية كبديل للدين، لكنهم جعلوا منها دينا جديدا يعاني من كل المآزق التي تعاني منها العقائد الدينية.
ما هو الإنسان؟ جواب من علم النفس
اليوم هناك في الدنمارك اسم لامع يزداد بريقا كل يوم، وهو البروفيسور سفين برينكمان (Svend Brinkmann – الدال في نهاية الاسم لا تُلفظ). إنه أستاذ علم النفس في جامعة أولبورغ في شمال الدنمارك، وهو باحث منهمك في مجال اختصاصه، ومؤلفُ كتبٍ وفيرُ الإنتاج، وينشط بشكل كبير في نشر المعلومات من أبحاثه على شكل برامج إذاعية، وبودكاست، ويلقي محاضرات في كل أرجاء البلد. والبروفيسور في الأربعينيات من العمر {يؤتي الحكمة من يشاء}. إنه اليوم بحق ماليء الدنيا وشاغل الناس. جاء قبل فترة قصيرة إلى المدينة التي أسكن فيها لإلقاء محاضرة عنوانها “ما هو الإنسان؟”
كانت القاعة تغص بمئات الحضور المهتمين بأفكاره، وقد حجزت مكانا في الصف الأول أمام منصته تماما، وأرغمت نفسي وجسدي المنهك على المقاومة لثلاث ساعات طويلة لأسمع منه نتيجة أبحاثه في النفس الإنسانية. إنه محدّث بارع، واسع المعرفة، ولطيف المعشر. أخذَنا في جولة، بل جولات في بحار المعرفة، التاريخ، وعلم الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والدين، والبيولوجيا، وطبعا علم النفس بمختلف فروعه واختصاصاته. كان من بين أروع ما تعلمته منه أن هناك مزايا أو صفات نشترك فيها جميعا كبشر، وهناك مزايا أو صفات نشترك فيها مع مجموعة من البشر، ونختلف فيها عن غيرنا، وهناك مزايا أو صفات محددة للإنسان الفرد تخصه وحده ولا يشترك فيها مع أحد. رائع. كانت محاضرة ممتعة حقا. ثم وصلنا إلى النهاية ليقول لنا البروفيسور ما هو الإنسان.
حتى نعرف ما هو الإنسان، يقول البروفيسور برينكمان، علينا أن نعرف ما هو الإنساني، أي ما هي المزايا الإنسانية. وهنا فإن الإنسان يختلف عن باقي الكائنات، فمثلا ليس هناك معنى في مناقشة ما هو قطّي (نسبة إلى القطة)، فالقطة هي القطة، ولها سلوك معياري، وإذا تغير سلوكها بشكل جذري – ولن يتغير، فإنها لن تعود قطة. وليس هناك معنى في مناقشة ما هو كلبي (نسبة إلى الكلب)، فالكلب يتصرف دائما ككلب، وإذا تغير سلوكه جذريا – ولن يتغير، فإنه لن يعود كلبا. بينما الإنسان له مزايا وصفات “إنسانية” يمكن أن تتراوح على خط أحد أطرافه في الشرق والآخر في الغرب، ويمكن أن يتميز بها الإنسان دون أن يتحول إلى شيء آخر، فهو يمكن أن يكون كاذبا، وهو إنسان، ويمكن أن يكون صادقا وهو إنسان. وقس على هذا مئات المزايا والصفات التي تكون متناقضة تماما، لكنها تبقى صفات تميز الإنسان. إنها صفات إنسانية، الطمع والقناعة، والفجور والعفة، والغضب والحلم، والحب والبغض، والإخلاص والخيانة، إلخ.، – وما بينهما من درجات. الإنسان هو الكائن الذي يمكن لمزاياه أن تتباين بين فرد وآخر، أو تتغير في الإنسان الفرد نفسه، لكنه يبقى إنسانا.
نعم، هذا هو الإنسان صفاته تتقلب بين الأسود والأبيض، بين غاية القذارة والانحطاط، ومنتهى النقاء والسمو، بين الظالم والمظلوم، بين الوغد والقديس، ويمكن أن يتحول من ضحية إلى جلاد، ومن قديس إلى فاجر، أو العكس، دون أن نقول عنه إنه ليس إنسانا، فليس هناك إنسان معياري تقاس الصفات على ما يتميز به، مثلما هو الأمر مع القطة والكلب، والحمار.
حين انتهى البروفيسور من حديثه، أطلقت زفرة عميقة كأني كنت طوال الوقت متوقفا عن التنفس. وخيّل إلي أن آخر عبارة سمعتها في حديث البروفيسور كانت {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}. بالتأكيد لم يقل البروفيسور ذلك، لكن كل كلامه كان وكأنه يشرح تلك الآية القرآنية بشواهد من كل فروع العلم ومجالاته.
القرآن كتاب للبسطاء لا للفقهاء
إنه ليس حديثا عن الإعجاز العلمي. لا، على الإطلاق. الرجل قدم نتائج أبحاثه المضنية الطويلة، وهو لا يعرف كيف سيفهمه أي من المستمعين إليه، وهم محظوظون لأنه بينهم. لكنْ ماذا عساه أن يفعل من ليس باحثا، وليس له سبيل إلى نتائج البحث العلمي، ويبحث مع ذلك عن الحقيقة؟ إنه حديث عن سرّ محمد وسرّ قرآنه الذي جعل الحقيقة في متناول أبسط الناس، فأنت لا تحتاج حتى إلى أن تكون قارئا لتقرأه. يكفي أن تسمعه، وتؤمن أنه الحق. ولهذا بقي صامدا رغم مرور المسلمين بعصور من الظلام الحالك، والجهل الشامل، والأمية الطاغية. شعاع نشره من جزيرة العرب قبل أربعة عشر قرنا رجل أمي، وما يزال يضيء لمن يعشقه في ظلمات الوجود، وسيبقى نورا لا ينطفئ حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لم يكن محمد باحثا في علم النفس، ولا بروفيسورا في جامعة. إنه كان، وسيبقى إلى الأبد، النجم الهادي بكتاب ينطوي على أسرار كتلك التي في خلق الإنسان، وفي خلق السماوات والأرض. {وقل ربي زدني علما}.
2021-10-27