ما حقيقة الاستثمار وما نتيجة الحوافز التي تصرفها الدولة لتشجيعه؟
صائب خليل
24 ت2 2017
التظاهرات الباسلة التي تهز مدن الجنوب هذه الأيام رفضا لخصخصة الكهرباء تثير التساؤل عن سبب حماس الحكومات المحلية وحكومة بغداد للخصخصة، التي يرفضها الشعب وتسيء إلى سمعتهم ويتحملوها رغم ذلك ورغم قرب الانتخابات؟ وهل يمكن لسياسي ان يبيع سمعته ويقف بوجه الناس، إلا إذا كان يحصل مقابلها على الكثير أو يكون مضعوطا عليه بشكل شديد؟
.
الخصخصة ليست سوى نوع من “الاستثمار”، فلننظر إلى حقيقة الاستثمار ككل، وما وصلت اليه نتائجه هذه الأيام في اميركا.
يكرر المدافعون عن النظام الرأسمالي القول بأن “الاستثمار” ضروري للاقتصاد وانتعاش البلاد وإيجاد “فرص عمل” للناس. ولذلك يحاولون اقناع الناس بالتضحية بمبالغ هائلة من ضرائبهم او ثروات بلادهم بشكل “حوافز اقتصادية”، من أجل “تشجيع الاستثمار” وإيجاد البيئة المناسبة له.
لكن حقائق الاستثمار في الولايات المتحدة ذاتها، تبين أن هذا ليس سوى وهم، وان الاستثمار، شأنه شأن كل النشاطات الرأسمالية، ليس سوى سرقة أعطيت أسماء “حسنى”. وبسبب نجاح تلك الخدعة ذهب البعض فيها بعيدا جداً. – المعلومات التالية قدمتها مشكورة، الصديقة نادية عدنان إلى صفحة “الرأسمالية ببساطة، حيث نشر هذا المقال أول مرة.
لقد قدمت الولايات الامريكية عام 2015، حسب معهد ابهولد جون، خمسة واربعون مليار دولار بشكل “حوافز اقتصادية” لـ “جذب الشركات” أملاً بتلك الوعود المعتادة.
والحقيقة ان “الحوافز الاقتصادية” ليست سوى ابتزاز يتيحه النظام للولايات لسحب أموال الناس. فقدمت مثلا “حوافز اقتصادية” لشركات انتاج الأفلام والفيديو كليب، من قبل 31 ولاية امريكية تتنافس على اقناع هذه الشركات. وبفضل سهولة تنقل هذا النوع من الشركات، فإنها تضع تلك الولايات في منافسة مستمرة لكسبها، ودفعها لتقديم اغراءات اعلى وأعلى من التخفيضات الضريبية.
وتبين دراسة اجريت على هذه الشركات أن ولاية لويزيانا لم تحصل مقابل كل دولار صرفته على هذا البرنامج إلا على 22 سنت! وكان المردود أسوأ في ولاية ميريلاند حيث بلغ 10 سنت لكل دولار، وكانت كونيكتيكوت الأسوأ فلم تحصل إلا على 7 سنتات فقط عن كل دولار تنازلت عنه لشركات الإنتاج!!
أي ان تلك المبالغ المستقطعة من تكاليف التعليم والصحة والبنية التحتية وغيرها من الخدمات العامة للناس، تذهب إلى “الاستثمار” وبدون أن يعيد لهم هذا الاستثمار أي مردود!
يدعي المدافعون عن “الحوافز الاقتصادية” ان ما تعود به على الدولة من فوائد ودخل مادي يفوق ما يمكن حسابه بالدراسات المقدمة، وليس هناك أي دليل على ذلك ولا توجد احصائيات تؤكده، رغم هدر عشرات المليارات من الدولارات، حيث تؤكد الإحصاءات ان 75% من هذه البرامج لا تقدم اية معلومات عن الوظائف المستحدثة مثلاً.
وكمثال مثير للضحك عن استغلال الشركات لـ “الحوافز الاقتصادية” هو ما جرى في مدينة كنساس سيتي، والتي تقع في ولايتين هما كانساس وميزوري. الولايتان تقدمان حوافز مادية لجذب الشركات إلى جانبها من المدينة بأمل خلق وظائف جديدة. فقامت هذه الشركات بنقل مكاتبها من النصف الخاص بإحدى الولايتين من المدينة الى النصف الثاني، مستحصلة “الحوافز الاقتصادية”. ثم تقوم بإعادتهم الى مكاتبهم الأولى، لتجني حوافز جديدة! وتبين انه خلال عامين تم نقل 6652 وظيفة من الجزء التابع الى ولاية ميزوري الى الجزء التابع الى كانساس، في نفس الوقت الذي تم فيه نقل 5526 وظيفة بالاتجاه المعاكس. هذه الحركة كلفت مدينة كانساس سيتي 330 مليون دولار ودون ان تكون هناك اية وظائف جديدة!
واليوم هناك مشروع “حوافز اقتصادية” باسم “ستارت اب نيويورك” قدم للشركات اعفاء ضريبي تام لمدة عشرة سنوات شمل ضرائب الشركة والملكية والأعمال وحتى الدخل. ما هو المطلوب من الشركات بالمقابل؟ أن تقدم وظيفة جديدة واحدة في السنة! وتفكر نيويورك بخفض ذلك المطلب الى وظيفة كل خمس سنوات!!