سئمنا الحديث عن محاربة الفساد في العراق: وكيف عرَّفَ الامام علي ابن ابي طالب عليه السلام النزاهة؟
سعد ناجي جواد
لا احد يستطيع ان يتجاهل حجم الفساد في العراق منذ عام ٢٠٠٣، ولا كيف سرقت و اهدرت مليارات الدولارات في العراق، ولا كيف يتمتع الفاسدون بثروات هائلة نتيجة لنهبهم لثروات البلاد و لتفشي الفساد واستمراره.
لقد اصبح الحديث عن وجوب محاربة الفساد حديثا يوميا و مكررا وبدون اية اجراءات حقيقية وملموسة لردعه. والمضحك المبكي ان وسائل الاعلام، المطالبة قبل غيرها بفضح هذه الظاهرة ومحاربتها، تستضيف يوميا عشرات من المتهمين بالفساد لكي يحدثوننا بدون خجل عن حجم الفساد وضرورة محاربته وإحالة الفاسدين الى القضاء.
في الأيام القليلة الماضية صرح السيد رئيس الوزراء بان الخطوة التالية في برنامجه هي محاربة الفساد والفاسدين. ولا يزال يكرر ذلك يوميا. وللإنصاف فان السيد العبادي اظهر، عكس ما كان متوقعا، قدرة جيدة في التعامل مع الملفات الشائكة آلتي واجهته.
فاولا استطاع ان يرمم علاقات العراق المتأزمة مع بعض دول الجوار وخاصة العربية منها، ثم استطاع ان يقود حملة عسكرية ناجحة ضد تنظيم داعش الإرهابي وأصبح قاب قوسين او ادنى من القضاء علي وجوده العسكري في العراق. ثم وقبل ان ينتهي من هذه الأزمة الخطيرة واجهته أزمة اخطر تمثلت في اقدام رئاسة اقليم كردستان العراق على اجراء استفتاء اعتبرته خطوة أولى لإعلان الاستقلال والانفصال عن العراق. وكان تعامله مع هذه الأزمة ناجحا وفعالا ايضا. واستطاع ان يعيد الاقليم الى حجمه الطبيعي من دون الذهاب الى مواجهة مسلحة كانت متوقعة، (ولو ان هناك محاولات لافشال عمله في هذا المجال ولكن هذا الامر يحتاج الى مقال اخر)، والآن قرر ان يواجه الفساد والفاسدين. ويجب الاعتراف بان هذه الخطوة هي اخطر بكثير من محاربة تنظيم داعش الإرهابي لسبب بسيط هو ان المواجهة العسكرية مع تنظيم ارهابي مسلح تعرف القوات المسلحة اهم مناطق تواجده وقواعده، هو امر واضح و بيّن، في حين ان مواجهة الفاسدين تتطلب الضرب بقوة وحزم على يد عناصر تمتلك نفوذ مالي وسياسي وهذه العناصر تحيط به ومدعومة بمليشيات مسلحة وإجرامية و منتشرة في كل مكان ، لا بل موجودة حوله وقريبة منه ، و فاسدين منتمين لحزبه ومدعومين من قوى إقليمية. والخطورة الأكبر تتمثل في احتمال تصفيته جسديا من قبل الفاسدين الكبار الذين كما قلت يعملون حوله.
واذا ما اعتبرنا ان السيد العبادي جاد في حملته في محاربة الفساد واسترداد الأموال المسروقة والهائلة، وهو ما يردده يوميا، فانه مطالب بالبدء بالرؤوس الكبيرة قبل الصغيرة. علما بان الفساد كان قد بدأ منذ عام ٢٠٠٣ وان اول الفاسدين الذين يجب محاسبتهم هو الحاكم المدني الامريكي في العراق سيّء الصيت بول بريمر الذي كتبت صحيفة الغارديان البريطانية الرصينة تسأله عن مصير ثمانية مليارات ونصف دولار تبخرت في عهده القصير دون ان يوجد اي توثيق لصرفها، ثم يأتي بعده اعضاء مجلس الحكم والوزراء الذين نصبوا منذ ذلك التاريخ ولحد اليوم وكذلك النواب في جميع الدورات المختلفة ونزولا الى اعضاء مجالس لمحافظات والمدراء العامين واللجان الاقتصادية في الاحزاب المشاركة في العملية السياسية والقيادات العسكرية. وفِي بلد تحوم فيها الشبهات حول ٩٠٪ ، إن لم يكن اكثر، من من تبوأوا مناصب رسمية ، ويتستر بعضهم على البعض الاخر، لا يمكن ان تتم هذه العملية في ايّام او أسابيع قليلة، ولا يمكن ان تكون هذه المهمة بالهينة او السهلة. ولكن اذا أراد السيد العبادي ان بسهلها على نفسه وان يسرع من وتيرتها فان الامر يتطلب إلقاء القبض على بعض الرؤوس الكبيرة كي تنهار منظومة الفساد باكملها عن طريق اعتراف البعض عن البعض الاخر. حيث اثبتت بعض الوقائع ان سلسلة الفساد مترابطة، وان من يحمي الفاسدين الصغار هم الفاسدون الكبار.
علما بان العراقيين المتضررين من هذه الظاهرة السيئة والكارثية سوف لن يصدقوا مثل هذه الحملة الا اذا شاهدوا بعض الفاسدين مهما قل عددهم في البداية، خلف القضبان وأمام القضاء.
من المؤسف ان حملة السيد العبادي قد بدأت بداية خاطئة، فهو اولا لجأ الى تنبيه الفاسدين عن طريق مطالبته لهم بان يعترفوا بافعالهم المشينة مسبقا وان يقوموا بإعادة ما سرقوه لكي يتجنبوا العقاب.
وهذا الامر لا يمكن ان يحصل. واذا ما أعدنا التذكير بان أكثر المتحدثين عن الفساد ووجوب محاربته هم مسؤولون فاسدون فيمكننا ان نعرف مسبقا رد الفعل على طلبه هذا. كما ان هرب عدد غير قليل من الفاسدين الى خارج العراق واكتسابهم جنسيات اخرى امر سيساهم في تعقيد مهمة رئيس الوزراء.
ثانيا فان ما أًُعلٍنٓ من إجراءات بخصوص حملة محاربة الفساد موخرا اظهر ان العقوبات شملت موظفين بسطاء ولم تشمل اي من الرؤوس الكبيرة التي أكدت هيئة النزاهة انها قدمت ملفات كاملة عن فسادهم.
وأخيرا وليس اخرا يجب ان تبدأ الحملة بإلقاء القبض على المشتبه بهم والتحقيق معهم من قبل قضاء نزيه وقضاة عرفوا بالنزاهة، وحسب علمي فان الجهاز القضائي العراقي مليء بمثل هذه الكفاءات.
لا بل ان القضاء العراقي كان دائما يشار له بالبنان كأحد الأجهزة النزيهة في العراق والوطن العربي. وأسمح لنفسي ان أسوق هذه الحادثة التي حدثت معي. في سنين الحصار الظالم زار متجر والدي لبيع الساعات قاض معروف.
و لما كان والدي قد أقعده المرض كنت انا وإخوتي نشرف على أعماله التجارية، وتعرفت على الرجل وتذكرت علاقة الصداقة التي تربطه بابي.
فاستقبلته، والشاب الذي كان معه، استقبالا يليق به. ثم قال لي ان الذي معه هو ابنه الذي تخرج توا من الجامعة بدرجة مشرفة ويريد ان يشتري له ساعة يدوية كهدية له. فطلبت من البائع ان يعرض عليهما نماذج من الساعات السويسرية التي كان والدي يمثلها في العراق.
وشعرت ان الابن قد اعجب بساعة غالية الثمن قليلا في حين ان والده كان يُرَغبهُ بواحدة أرخص منها. وشعرت بحرج الوالد، فقلت للأب يا عمي الكريم انا أستاذ جامعي وأقدر كثيرا المتفوقين وادعمهم في هذا الوقت الصعب فأرجو ان تسمح لي بان اقدم هذه الساعة هدية لابنك على تفوقه، ولكن الرجل رفض رفضا باتا، واعتبر الامر مسا بكرامته. فاعتذرت منه وقلت طيب اعرض عليك حلا وسطا وهو اني اقبل منك ثمن لهذه الساعة مساويا لثمن الساعة التي كنت تُرٓغِب ابنك في شرائها.
وقلت له ان والدي كان سيفعل نفس الشيء معك ان لم يكن اكثر اكراما لصداقته الطويلة معك، وانت تعلم بانه وانا ايضا ليس لنا اية مصلحة في فعل ذلك سوى اكرام الصحبة الطيبة التي تجمعكما. ثم بدأنا نتحدث عن الصعوبات التي يعاني منها العراقيون نتيجة للحصار الظالم.
وقلت له ان راتبي كأستاذ جامعي لا يكفيني لإعالة عائلتي الصغيرة، وإني ألجأ الى الكتابة في الصحف العربية لزيادة مدخولي.
فقال لي انه يعاني من نفس المشكلة ولو ان الدولة زادت من رواتب ومحفزات القضاة لكي لا ينحرف من لا يتمكن من توفير حياة كريمة له ولعائلته.
ثم اعتذر مني بسبب انزعاجه من عرضي الاول وقال ان عمله كقاضي فرض عليه عدم قبول اية مغريات حتى وان كانت لا تتعلق بالقضايا التي تعرض عليه.
ثم قال لي ان الانسان ورغم كل شيء يجب ان تكون التقوى هي ما يحدد سلوكه.
قلت لم افهم تماما ما تقصد، فقال ان اي إنسان كي يعيش مرتاح البال والضمير يجب ان تكون مقولة آلامام علي عليه السلام نبراسا لحياته، حيث تكلم الامام في احدى خطبه عن التقوى الواردة في القران الكريم، فسأله سائل وما التقوى قال (التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل). ومنذ عام ٢٠٠٣ وانا اتذكر هذا القول الجميل عند كل حادثة اسمع فيها عن فاسد يدعي انه من اتباع الامام علي او حين اسمع ان احد الفاسدين قد ذهب للقضاء بسبب تهم فساد و تم إسقاط التهم عنه بعد ساعة او ساعتين من مواجهته للقاضي المختص. وانا هنا لا اتهم قضاة العراق في هذه الأيام بعدم النزاهة، حاشا لله، ودليلي اني قلت قبل قليل ان الجهاز القضائي العراقي مليء بالكفوئين والذين يتمتعون بالنزاهة، ولكن ونحن نسمع عن التصفيات التي تعرض لها بعضهم وبعض المفتشين، وضغوطات الاحزاب التي تحمي الفاسدين والمشاركة في الحكم، والتي تمتلك مليشيات مسلحة و منفلتة، واضطرا عدد من روؤساء هيئة النزاهة الى ترك وظائفهم واللجوء الى مناطق آمنة خارج العراق او داخله، كردستان العراق، كل ذلك يحب ان يؤكد ان أية حملة ناجحة لمحاربة الفساد سوف لن تنجح إلا اذا رافقتها إجراءات حماية لحياة القضاة الذين سيتولون عملية محاكمة الفاسدين.
اخيراً وليس اخرا فان مهمة محاربة الفساد وملاحقته والتحقيق فيه يجب ان تترك للقضاء النزيه فقط وان لا تكون موكلة للجان اغلب أعضائها تحوم حولهم شبه فساد كبيرة، مثل لجنة النزاهة البرلمانية
و اعيد وأقول بانه وحتى يشاهد العراقيون المجموعة الاولى من حيتان الفساد خلف القضبان وتم استرداد الأموال التي سرقوها سيبقى التشكيك بالحملة هو الشعور السائد بينهم. في كانون الثاني/يناير ٢٠١٦ اخبرنا السيد العبادي ان ذاك العام سيشهد نهاية الفساد، وهذا لم يحصل، وربما كان عذره هو التركيز على محاربة داعش، فماذا سيقول لنا اذا لم يفعل شيئا يذكر او حقيقي في هذا الملف ؟ او اذا جاء وقت الانتخابات في العام القادم وبقي الفاسدون في مناصبهم ورشحوا أنفسهم في الانتخابات، واستخدموا السحت الحرام الذي سرقوه للفوز فيها؟
ان مستقبل السيد العبادي الشخصي والسياسي، و رغم كل نجاحاته، سيبقى معلقا عَلى نتيجة حملته هذه و نجاحه فيها. فهل سيقبل بان ينهي حياته السياسية والمهنية بفشل في هذا المجال؟