بسم الله الرحمن الرحيم
من حلم الوطن إلى طابور الإغاثة
كتب: حازم عبد الله سلامة “أبو المعتصم”
ويستمر هذا المخطط الانهزامي بتحويل قضيتنا من مشروع وطني سياسي إلى مشروع إغاثي وإنساني، ومن طموح بوطن وحرية وكرامة إلى أمنية بطرد غذائي، وتحويل الناس من الهتاف باسم فلسطين وحب الوطن إلى طوابير تشكر الممول.
خيبة كبيرة لمن يعلّقون على صدورهم أعلام الدول المموّلة وينسون علم فلسطين.
خيبة كبيرة لمن رفعوا صور زعماء عواصم العهر ونسوا صور شهدائنا وقدسنا ورمزنا أبا عمّار والقادة الشهداء.
لقد نجحوا في تحويل الوعي الوطني من حلم بوطن إلى حلم برغيف خبز، ومن حلم بالتحرير إلى حلم بالطوابير. ملعون أبوها السياسة التي حوّلتهم إلى مجرد كلاب حراسة.
سنوات من حرب الإبادة ضد غزة بكل مكوناتها كانت لنا امتحاناً قاسياً، حبره من دمائنا ومعاناتنا وآلامنا ووجعنا. وكشفت الجميع على حقيقته، وأسقطت كل الأقنعة عن الوجوه الزائفة المخادعة، امتحان قاسٍ جداً كشف من خذلونا وخدعونا طوال سنوات وسنوات، إنه امتحان ليس فقط لثلاث سنوات من الحرب والدمار … بل أكثر بكثير.
في هذه الأزمة والحرب الطاحنة، كثير ممن وثقنا بهم رسبوا في امتحان الوفاء وسقطوا شرّ سقوط، واكتشفنا أننا دفعنا ثمناً غالياً لأشياء لا تساوي أقورة مصدية.
واكتشفنا أن المشكلة الأساسية أن لغة الخطاب السياسي للجميع باتت تصطدم بصورة مباشرة مع الواقع الميداني والإنساني، خطاب سياسي واهم، وخصوصاً تصريحات القيادات، وكأنها لا ترى الواقع والمعاناة في غزة، ولا تعيرها أي اهتمام، وكأنهم لم يسمعوا عنها أساساً،
فكيف لمن يعيش في خيمة بالية بين القمامة والقوارض، ويستيقظ من النوم ليؤمّن ماء الشرب ثم ماء الاستخدام ثم خشباً للطبخ، وكل هذا بين القصف والموت والضرب … ثم يسمع الطامعين بالحكم وهم يحدّثونه عن الانتخابات والوعود والشعارات والمثالية؟
حقيقة إنه واقع يستحق أن نتعامل معه بسخرية وهزل.
ففي زمن كان للمواقف ثمن، لم نقف على الحياد، واتخذنا موقفاً دفعنا ثمنه باهظاً جداً، ووضعنا ثقتنا بمن كنا نظن أنهم أهل للثقة فخذلونا شرّ خذلان، وأمّناهم على مستقبلنا ومستقبل أطفالنا فخانونا أسوأ خيانة، حتى فقدنا ثقتنا بكل مكونات النظام السياسي الفلسطيني.
الناس الذين يعيشون الواقع يفهمون الصحيح، المشكلة الحقيقية في هؤلاء المنفصلين تماماً عن الواقع، والذين يتعاملون حتى اليوم بطريقة تفكير قديمة عفا عليها الزمن، فالناس واقعها مؤلم ويعيشونه بكل تفاصيله وآلامه ووجعه، ومدركون تماماً حجم التعقيدات التي وضعتهم فيها تلك الفصائل والقيادات والمسميات، والناس بطّلت تعلّق آمالاً كبيرة ولا تُفرط في التوقعات، لأنها فاهمة أنه لا أحد قلبه عليهم ولا أحد جاء ليخدمهم. وأهم شيء أن الناس صارت قادرة على التمييز بعد كل الذي حدث وصار فيهم، والذين يعيشون وسط الركام يعرفون الصحيح.
القضية ليست من قدّم ومن لم يقدّم، القضية من تاجر بالناس وآلامهم، من خدع ومن سرق ومن باع، ومن الذي يظن أن ببعض الخدمات قد سكّر البلد كبود .
اطمئنوا … فالناس التي تعيش الإبادة وهذا الواقع المؤلم ليست منفصلة عن واقعها، فهي التي تعيشه،
مشكلتنا فيمن يسمعون القليل عن هذا الواقع ويفتون لنا ما هو مطلوب منا، وينظّرون على الناس،
حجم الأزمة كبير، والحديث على الأقل يجب أن يكون بحجم الوجع والقهر.
وها نحن نعيش هذه التجربة لنرى إلى أين نحن ذاهبون.
وفي النهاية… لا يصح إلا الصحيح.
تقبلوا تحياتي /
الكاتب والاعلامي / حازم سلامة ” أبو المعتصم
2026-09-10