ما بين حزيران 67 واكتوبر 2023!
عصام حجاوي
ثمان وخمسون عاما تمر الیوم على الھزیمة المدویه للانظمه العربیه في الخامس من حزیران عام ١٩٦٧، وعشرون شھرا على المواجھة الشعبیة المتجدده في السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ . وبالرجوع للتاریخ الموثق بالصوت والصورة والكلمة ، لتعاطي تلك الانظمة مع نتائج تلك الھزیمة ، یتضح بالیقین المطلق ، انھا تراجعت فورا عن الثوابت التاریخیة والایدولوجیة التي اسست لتلك الحرب ، من دعوة صریحة لازالة الكیان الصھیوني برمته في حینه ، لتستبدله وعلى لسان الزعیم الراحل جمال عبد الناصر بشعار -ازالة اثار العدوان – والمقصود به تحریر الاراضي الفلسطینیة والعربیة التي تم احتلالھا في حزیران ٦٧ وطي صفحة التاریخ عن المغتصب في العام ١٩٤٨، وان یكن ذلك تحت سقف مخرجات مؤتمر قمة الخرطوم في الثامن والعشرین من آب ١٩٦٧ بلاآته الثلاث – لا صلح ، لا اعتراف ولا مفاوضات مع الكیان .
اننا واذ لا نشكك بارث ناصر الوطني والقومي وانجازاته التاریخیه ، والذي تستمر حملات تشویھه في طبعتھا الراھنة المتعلقة بالتسجیل الذي نشر مؤخرا لحواره مع الراحل معمر القذافي ،الا ان ذلك لا یعفینا من اعادة تأكید حقیقة تاریخیة مفادھا ، ان انظمة البرجوازیات الصغیرة العربیة ستبقى وبحكم موقعھا الطبقي عاجزة عن استكمال مھمات التحرر الوطني والوصول بھا لمآلاتھا النھائیة ، بل وآكثر من ذلك ، فانھا وفي سیاق التحولات الاقتصادیة والاجتماعیة التي ستحدثھا في مجتمعاتھا والتي حتما ستتیح المجال لنمو قوى طبقیة على ھامش عملیة الانتاج المادي متحرره من ایة التزامات وطنیة او قومیة یحركھا فقط مصلحتھا الذاتیة ولا مانع لدیھا للتصالح حتى مع الشیطان ولیس فقط مع الاعداء التاریخیین لامتنا وفي المقدمة منھم الكیان الصھیوني لتأمین مصالحھا تلك .
وھكذا ، وغم محاولة ناصر لتأمین نوع من الحمایة الشعبیة لنظامه وبرنامجه وذلك بتشكیل الاتحاد التحاد القومي عام ١٩٥٧ والذي تحول لاحقا للاتحاد الاشتراكي عام ١٩٦٢، الا ان ذلك الحزب السیاسي الذي كانت مھمته حمایة الثوره وتحقیق اھدافھا كان تنظیما فوقیا عكسیا تم تأسیسه من قبل عبد الناصر
بعد خمس سنوات من تولیه مقالید السلطة في مصر ، ولیس تنظیما قاعدیا قائما مسبقا وصل للحكم من خلال ذراعه العسكري المعروف بتنظیم الضباط الاحرار، ان تشكیل الاتحاد الاشتراكي بھذا الشكل المقلوب كحزب للسلطة القائمة یفسر جزئیا تركیبة مكوناته الانتھازیة وبقاء قراراته وتركیبته مرھونة بارادة رأس السلطة الحاكمة حیث تجلى ذلك بأبشع صوره بعد رحیل الزعیم عبد الناصر واستلام السادات لدفة الحكم في ایلول ١٩٧٠ ، والذي سارع من خلال ما اسماه یالثورة التصحیحیة في الخامس عشر من آیار ١٩٧١ للانقضاض على الثوره وقیاداتھا وتنظیمھا السیاسي الفوقي لیكمل اتصالاته الغیر مباشره بالكیان الصھیوني والتي بدأت على ما یبدوا في بدایات العام ١٩٧٢ ،ویجھض الامكانیات التحریریة لحرب اكتوبر ١٩٧٣ والتي جسدتھا بطولات جنود وضباط الجیوش العربیة في حینه باجتیاح خط بارلیف الدفاعي كما في ھضبة الجولان ، لیوظفھا للاستمرار في اتصالاته مع الكیان والذي توجت بزیارته للكنیست الصھیوني في تشرین الثاني ١٩٧٧ ويوقع اتفاقیة كامب دیفید في السابع عشر من ایلول ١٩٧٨ ولتخرج مصر الرسمیة من معادلة الصراع مع الكیان .
ان آحد الدروس الاساسیھ لما الت الیه الاوضاع في مصر ما بعد عبد الناصر ،ھو خطآه في عدم تامین الحمایة الشعبیة المسلحة لنظامه لتتكفل الجماھیر المستفیده من ثورتھ بالحفاظ على مكتسباتھا ولیس المراھنة فقط على المؤسسة العسكریة لحمایة الثوره. ان المسیرة التاریخیة لمصر الرسمیة من موقع الصراع الصفري التناحري مع الكیان ، لموقع السلام الرسمي معه ، تزامن ایضا وبنسخة مشوھة وبتداعیات اكثر خطوره ومأساویة تمثلت بمسیرة قیادة منظمة التحریر الفلسطینیة بما یخص العلاقة والصراع مع الكیان والموقف منه والتي أدت الى انفراط عقد الموقف الرسمي العربي ما بین اتفاق وادي عربة مع الاردن واطراف السلام الابراھیمي وصولا لمن ینتظرون دورھم بانتظار اوھام ھزیمة مشروع المقاومة فلسطینیا وعربیا ، اما على المستوى الرسمي الفلسطیني ، بدءا من الاتصالات السریة في سبعینات القرن الماضي لسعید حمامي وعصام السرطاوي والذین تم اغتیالھما لاحقا لذلك السبب ، مرورا باعتماد ما سمي بالبرنامج المرحلي عام ١٩٧٤ والذي یتناقض مع المیثاق القومي الذي تم تأسیس منظمة التحریر الفلسطینیة على اساسه في العام ١٩٦٤ الداعي لتحریر فلسطین التاریخیة بالكفاح المسلح وحرب التحریر الشعبیة ، والذي بعد عدة تعدیلات جوھریة جردته من محتواه الوطني التاریخي وطالت كذلك حق شعبنا بالكفاح المسلح في مواجھة المشروع الصھیوني، بل التزمت بنبذ – العنف- واعتماد الحلول السلمیھ مع الكیان ، تم الغاء كل مواده التي تعرف الوطن القومي لشعبنا بفلسطین الجغرافیة ، كل ذلك تمھیدا لتوقیع اتفاقیات اوسلو وملحقاتھا في العام ١٩٩٣وقیام سلطة الحكم الذاتي – ولیس السلطة الوطنیة الفلسطینیة كما یحلو للقائمین علیھا الادعاء -.ولعل كل ذلك مفردا او مجتمعا بما فیه -نبذ- العنف لم یكن بحجم وتداعیات النكبة السیاسیة التي لم تحدث في آي من مراحل النضال الوطني الفلسطیني منذ بدآ المشروع الصھیوني في نھایات القرن التاسع عشر . ان النكبة السیاسیة تلك تتمثل بتبني القیادة الفاقدة الشرعیات القانونیة ، الوطنیة والتاریخیة لخطاب وموقف الكیان الصھیوني وحلفاءه من مسألة المقاومة الفلسطینیة ووسمھا
بالارھاب، كما عبر عنھا لیس راس سلطة الحكم الذاتي واتباعه فقط صراحة ودون مواربة ، بل وحلفاءه من منظمات واحزاب وابواق فلسطینیة وان لم تصرح بذلك علنا ، الا ان صمتھا المطبق لا یعني سوى موافقتھا وتبنیھا لموقفه وان تذاكت لتغلیف انتھازیتھا التاریخیة بالواقعیة وبالایمان بالتغییر من داخل المؤسسات الشرعیة وان اقرت بان تلك المؤسسات فقدت شرعیتھا القانونیة بالحد الدنى منذ عشرات السنین. ولكي یتجلى المعنى الحقیقي لما اسمیناه بالنكسة الجدیده ، لا بد من تمحیص
الفرق الشاسع ما بین – نبذ العنف – والذي في احسن الاحوال وبسذاجة مھینة یمكن اعتباره موقف وقناعة سیاسیة لحمائم السلام التي لا تؤمن بالكفاح المسلح للشعوب التي تخضع للاحتلال من حیث المبدأ ، رغم ان ذلك الحق یحضى
بالشرعیة الدولیة القانونیة كما نصت علیه صراحة وبكل وضوح الوثیقة الرابعة لاتفاقیة جنیف لعام ١٩٤٨ ، والذي تم تأكیده لاحقا في دورة الجمعیة العامة للامم المتحدة في دورتھا للعام ١٩٨٢ في قرارھا رقم 43/37. ان -نبذ- الكفاح المسلح ذلك آوعدم الایمان به من حیث المبدأ یختلف جذریا عن موقف الادانة والتجریم الذي تتبناه سلطة الحكم الذاتي وابواقھا والتي ذھبت لتحمیل المقاومة مسوؤلیة المقتلة الانیة المستمرة التي یرتكبھا الكیان الصھیوني وحلفاءه والتي لم یشھد لھا التاریخ مثالا لتطال البشر والحجر والشجر ، وان تمركزت في قطاع غزة منذ السابع من اكتوبر ٢٠٢٣ ، الا انھا تطال الشعب الفلسطیني اینما تواجد سواء في فلسطین او في الشتات .
ان تبني سلطة الحكم الذاتي فاقدة الشرعیات لروایة وموقف الكیان من المقاومة المسلحة المشروعة لشعبنا وتطوعھا بنفس الموقف من سلاح شعبنا في مخیمات اللجوء في لبنان یستدعي موقفا واضحا من ابناء شعبنا اینما وجد في ھذه الایام التاریخیة التي یواجه بھا عدوا فاق في وحشیته وغطرسته وعنصریته ما ھو غیر مسبوق في تاریخ البشریة .
وعودا على بدآ للزعیم الراحل عبد الناصر وتجربته ، فاذا كان خطآه انه لم یسلح الجماھیر الشعبیة المستفیدة من ثورة ٢٣ یولیو ١٩٥٢ لضمان استمرار الثوره وانجازاتھا وعدم الارتداد عنھا ، فان طبیعة المقاومة الفلسطینیة وثورتھا لا زالت في مرحلة ما قبل الدولة المتجسدة ، وعلیه فھي لا زالت تحتفظ بالطابع الشعبي الجماھیري والذي یؤمن استمراریتھا على المدى المنظور ، بل من المتوقع ان تتمدد ارتداداتھا لتشعل محیطھا العربي وان كانت قد حققت حتى الان احتظانا ودعما وتفھما عالمیا غیر مسبوق من شرق الارض لمغربھا.
وان الغد لناظره لقریب
2025-06-06