جولة جديدة وليست الأخيرة…!
سعادة مصطفى أرشيد*
بدأت الحرب الأميركية على إيران صبيحة الثامن والعشرين من شباط الماضي، محققة إصابات مباشرة لما استهدفته من مواقع، واغتالت من أرادت اغتياله، ولكنها لم تحقق النتائج السياسية التي ادّعتها بإسقاط النظام واستسلامه وتفكيك المشاريع الإيرانية الطموحة، وعلى رأسها المشروع النووي، ولم تستطع أن تقطع العلاقة بين طهران وحلفائها الثابتين في إخلاصهم والعقائديين في إيمانهم الكربلائيّ، إنْ في العراق أو اليمن أو لبنان. لكن الذعر الذي أصاب دولاً عربية من تداعي هذه الحرب والاحتمالات العالية بوصول لهيبها إليها جعلها تمارس ضغوطاً (أو رجاءً) على واشنطن، التي لم تكن لتستجيب لها لولا أنّ آثار الحرب على الاقتصاد العالمي وأزمة النفط وإمداداته أصبحت مرهقة وذات تأثير لا على الاقتصاديات الكبيرة فحسب، وإنما وصلت لتؤثر بشكل مباشر على الفرد عبر العالم؛ كلّ ذلك قاد إلى إنجاح الوساطة الباكستانية والتوصل إلى مذكرة تفاهم اتّسمت بالعمومية والضبابية، فيما تأجّلت المسائل المركزية المهمة لتناقش ويتمّ التفاوض بشأنها بعد 60 يوماً.
وفي حين أثار توقيع مذكرة التفاهم شعوراً بالارتياح لدى العواصم العربية وأخرى أوروبية، وشعوراً بتحقيق نتائج جيدة في طهران التي تسلّمت بموجب المذكرة الإشراف على الملاحة عبر مضيق هرمز خلال مدة سريان العمل في مذكرة التفاهم، إلا أنّ شعوراً مناقضاً ساد في أوساط صقور الإدارة الأميركية وفي دولة الاحتلال التي سعت ولا زالت للاستمرار بالحرب على كل الجبهات.
وحسبما كان متوقعاً فإنّ الحرب قد عادت من جديد وفي جولة جديدة لن تكون الأخيرة في غالب الأمر، فهذه الحرب إنْ انتهت بتسويات سريعة سرعان ما سينقلب عليها الطرف الذي يرى أنّ ظروفه قد تحسّنت وتسمح له بالانقلاب عليها، وهنا يمكن ملاحظة أمرين:
الأول: تحدثت الأهداف الأميركية عن إسقاط النظام وعن إعادة إيران إلى دولة منكفئة على داخلها وعلى حلّ مشاكل الخبز والكهرباء والبطالة وما إلى ذلك، ومنعها من التمدّد وأن تصبح دولة مركزية بالإقليم، إلا أنّ عمق الحرب الحقيقي عند الأميركي هو الدفاع عن البترودولار وضرورة إلزام الجميع بالتعامل به باعتباره النقد الوحيد الذي يتمّ به بيع النفط وشراؤه، والذي هو عنصر رئيس في قوة الولايات المتحدة الأميركية، ثم توجيه ضربة للاقتصاد الصيني الذي يمثل الزبون النفطي المهم لدى إيران والذي يدفع ثمن ما يشتريه من النفط إما بالمقايضة وإما بالعملة الصينية الرسمية (اليوان).
الثاني: أنّ إيران استطاعت بمهارة إدخال ورقة مضيق هرمز لتصبح الورقة الرابحة في الحرب، وهي بذلك تمسك بخناق الخليج وإمدادات الطاقة عبر العالم، وتصبح شريكة في كل قطرة بترول أو غاز أو أسمدة زراعية كيماوية أو مواد بلاستيكية وغير ذلك كثير من بقايا النفط (بترو-كيماويات)، وكل ما يحتاج نقله للمرور عبر مضيق هرمز.
وإذا كانت الحرب اليوم هي حرب فتح مضيق هرمز أمام الملاحة والالتزام بالرأي الأميركي القائل إنه مضيق دولي حسب القوانين الدولية للمضائق ولأعالي البحار، فإن طهران لديها جدليتها التي تعتبر المضيق إيرانياً خالصاً وإن بقي مفتوحاً أمام الملاحة لآلاف السنين.
هذا ما يضع الولايات المتحدة أمام خيارات صعبة قد تكتشف في النهاية أن أسلمها هو في التسليم لإيران في المضيق والتنازل في باقي الملفات، حيث إن القصف والحصار أعجز من أن يفتحا المضيق الذي لا بد لفتحه من احتلاله عسكرياً ووجود الجندي الأميركي على الأرض، الأمر الذي يعني الدخول في حرب برية بالغة التكلفة على الولايات المتحدة وغير مضمونة النتائج (إن لم تكن مستحيلة). أما اللجوء إلى الخيار النوويّ فهذا ما سيطيح بالنظام العالمي بأسره وبالتفاهم الدولي الذي قام على أساس توازن الرعب القائل إن السلاح النووي هو للردع وليس للاستعمال.
قد يستطيع الوسطاء التوصل إلى مذكرة تفاهم جديدة توقف القتال لفترة من الزمن، ولكن الحرب لا زالت طويلة ولا زال الحدّ الأدنى الذي يمكن أن تقبل به إيران لا يلتقي مع الحدّ الأدنى الذي يمكن أن تقبل به الولايات المتحدة، هكذا فالحرب في بداياتها وسنرى في نهاياتها الشرق الأوسط الجديد…
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-07-22