ما بعد أمريكا وإسرائيل!
مهدى مصطفى
أعرف أن العنوان صادم، لكن، هذا هو واقع الحال، فأمريكا تواجه تيارا من المقاومة العالمية غير المسبوقة، إلى جنوبها، يفوز اليسارى لولا دا سيلفا فى البرازيل، رغم الحشد الهائل للمرشح اليمينى الترامبى المنافس، وفى كندا، الجار الملاصق والشقيق، يتمرد الكنديون بقوة، إلى درجة أن بعضهم يتطلع إلى عضوية الاتحاد الأوروبى بالانتساب.
ما يجرى فى كندا والبرازيل يجرى فى أوروبا، فالجميع هناك ينسى، تقريبا، مشروع مارشال، الذى أعاد بناء أوروبا بعد الحرب العظمى الثانية، وينسى دور أمريكا فى انتصار الحلفاء فى تلك الحرب، وللمرة الأولى، تبدو أمريكا وكأنها تخوض المواجهة الإيرانية وحدها بعد أن ورطها نتنياهو، فيما لا تزال تقف إلى جوار إسرائيل فى سياستها التوسعية!
أما إسرائيل نفسها، أيا يكن الفائز فى انتخابات ما بعد السابع من أكتوبر، فإنها وصلت إلى ذروة اعتداء غير مسبوق فى الإقليم، وفتحت جبهات عديدة، وعرض نتنياهو الخرائط تلو الأخرى، معلنا عن قيادة وهمية لكل الشرق الأوسط، بالتزامن مع تصاعد الغضب فى شوارع العالم من الإبادة التى ارتكبتها وترتكبها فى الأراضى الفلسطينية.
ينعكس هذا الغضب فى شوارع أمريكا، وفى منتدياتها ومراكز تفكيرها، وكأنها تستيقظ من غفوة عميقة جعلتها تنجر إلى حرب عبثية، يبدو أنها لم تكن تخطط أو تستعد لها، وحتى لو كان بعضهم يرى أن كل شيء مرتب ومجهز سلفا، وأن بعض المراكز فى الإقليم دعمت هذه السياسة ودعت لها وشجعتها، فإن الوقائع تفتح الباب أمام تساؤلات مثيرة بشأن حدود القرار الأمريكى، ومدى التأثر بحسابات إسرائيل الذاتية.
صحيح أن إسرائيل قادت أمريكا من قبل إلى الحروب المتتالية فى الشرق الأوسط، بدءا من غزو العراق، مرورا بحروب الربيع الأسود فى المنطقة العربية، وصولا إلى صناعة الحرب الأخيرة، التى لا تزال جراحها مفتوحة، وقد تندلع مرة أخرى أشد رعبا وخيالا، من أى حرب جرت فى السابق.
إن الرهان على ما جرى بعد الحرب العظمى الثانية من نجاح هو رهان خاسر، فالقوتان العسكريتان، على الرغم من التفاوت الهائل فى قوتيهما، تبدوان فى طريق الصعود للهاوية، وإن كانت أمريكا قادرة على إعادة توجيه مسارها، وترتيب أوضاعها كقوة عظمى، فإن إسرائيل، بحكم التاريخ والجغرافيا، قد لا تجد منفذا تقفز منه إلى بر الأمان.
هناك خطر وجودى كامن يحيط بها، واستمرارها فى الاعتداءات يوحى بأنها تريد إشغال الجميع بصراعات متلاحقة، وإبعاد الأنظار عن المصير الكبير الذى ينتظرها، ولا يمكن لعاقل رشيد أن يعتقد أنها ستكون درعا أو حامية لأحد، أو أن اتفاقياتها السرية والعلنية ستصل بها إلى شاطئ الأمان.
إزاء هذه الصورة، تستعد القوى العالمية العتيدة والطارئة لما بعد أمريكا وإسرائيل، وتتجنب ركوب القطار الذى يدفع العالم نحو التدمير الذاتي، والخراب الاقتصادى المزمن، وهذا ما يجعل إدارة المرحلة الراهنة من أخطر ما مر على العالم، فهى لا تشبه أجواء ما قبل الحرب العالمية الأولى أو الثانية، ولا حتى مأزق الصواريخ النووية السوفيتية فى جزيرة كوبا عام 1962.
نحن فى حالة انفكاك عالمى غير مسبوق، وسوف تتوالد قوى أخرى، فلم تعد القوى الحالية تحظى بالهيبة ذاتها، رأينا ذلك فى الحرب الأوكرانية – الروسية، وفى حرب غزة، وفى حرب إيران، وسوف نراه إذا ارتكبوا حربا أخرى.
تقريبا، الجميع يدفع ثمن مغامرات غير محسوبة، تتسبب فى قطع الممرات البحرية والطرق واضطراب سلاسل الإمداد، فتصل آثارها إلى أصغر قرية فى أصغر دولة.
وقد عبر أكثر من زعيم أوروبى عن دهشته من تأثير الحرب على القارة العجوز، التى تواجه موجات احتجاج ومظاهرات حادة، تنذر بتداعيات سياسية واجتماعية خطيرة، وقد تفضى هذه الأزمات إلى شتاء قاس، يهدد أمما ودولا راسخة، كانت تعتقد أنها محصنة ضد الثورات الملونة.
خسرت أوروبا شيئين: الأول، تكاليف رهيبة لاستيراد الطاقة، تجاوزت مائة مليار يورو، بسبب تداعيات الحرب فى مضيق هرمز، وهى تكاليف يحمل الخطاب السياسى الأوروبى الولايات المتحدة وإسرائيل المسئولية عنها، والثاني، خسارة جانب من استقرارها نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة التى لم تعد تتدفق إليها، فارتفعت الأسعار.
وهنا يربط الجميع الأحزمة، استعدادا للطيران فى عالم ما بعد أمريكا وإسرائيل، بمعناه القديم، فللتاريخ أفعال سرية لا نراها
2026-11-01