لماذا يُشوَّه مفهوم الوطنية لدى منظّري الأحزاب القابضة على السلطة في العراق؟
بقلم البروفيسور وليد الحيالي
تبدأ مصادرة الأوطان حين يُعاد تعريف الولاء لها. فعندما يصبح الدفاع عن استقلال القرار العراقي موضع شبهة، ويُقدَّم الاعتراض على التدخل الخارجي بوصفه عداءً لطائفة، نكون أمام خطاب يسعى إلى تعطيل المعيار الذي يستطيع المواطن به محاسبة السلطة: هل تعمل لمصلحة العراق، أم تستخدم العراق لخدمة بقائها وارتباطاتها؟
هذه هي القضية التي ينبغي تفكيكها في خطاب منظّري القوى المستفيدة من تسييس الانتماء المذهبي. فالوطنية، حين تقوم على المواطنة المتساوية والسيادة والمساءلة، تضع حدوداً لسلطة الحزب، وتمنع تحويل الدولة إلى غنيمة، وتُلزم المسؤول بأن يبرر قراراته أمام العراقيين. ولذلك يصبح إفراغها من مضمونها مصلحة سياسية لمن يريد الاحتفاظ بمزايا الحكم والتحلل من مسؤولياته.
الوطنية بوصفها معياراً للمحاسبة
الوطنية ليست ادعاءً بالتفوق على الشعوب، ولا استعادةً لشعارات الاستبداد، ولا مطالبةً للمواطن بالتخلي عن دينه ومذهبه وقوميته. إنها التزام بأن تكون الدولة بيتاً مشتركاً، وأن تُدار مواردها وقراراتها لمصلحة مواطنيها، وأن تتساوى الحقوق مهما اختلفت الهويات.
لقد استُخدمت اللغة الوطنية في تجارب استبدادية لتبرير القمع والحروب، وهذا يستوجب نقد تلك التجارب. لكن تحويل هذا النقد إلى إدانة لفكرة الوطنية نفسها يمنح المستبد احتكاراً دائماً لمعنى الوطن. ومن حق العراقي أن يرفض استبداد الماضي، وأن يرفض في الوقت نفسه المحاصصة والتبعية وامتهان السيادة.
وهنا تظهر وظيفة التشويه: إقناع المواطن بأن المطالبة بدولة مستقلة وعادلة ليست سوى حنين إلى حكم سابق، أو ستاراً لاستهداف جماعة بعينها. وبهذا يُعفى الحاضر من المحاسبة عبر إخافة الناس من الماضي.
كيف تتحول الطائفة إلى أداة سلطة؟
ينبغي التمييز بوضوح بين الطائفة باعتبارها انتماءً اجتماعياً ودينياً، والطائفية باعتبارها طريقةً للاستيلاء على المجال العام. فالمعتقد حق، أما جعل المعتقد أساساً لتوزيع الوظائف والحماية والفرص فهو اعتداء على حقوق المواطنين، بمن فيهم أبناء الطائفة التي يتحدث الحزب باسمها.
تقوم آلية التوظيف السياسي على اختزال جماعة واسعة ومتنوعة في قيادة حزبية، ثم تصوير مساءلة تلك القيادة بوصفها تهديداً للجماعة كلها. يصبح نقد المسؤول إساءةً للمكوّن، وكشف الفساد إضعافاً للموقف، والمطالبة بحصر السلاح بالدولة استهدافاً للهوية.
بهذه الطريقة يُنقل النقاش من الأداء إلى الانتماء. فلا يعود السؤال: ماذا أنجز الحزب؟ بل: من سيحميكم إن غاب؟ وعندما يصبح الخوف أساس الشرعية، تستطيع القيادة أن تطالب الناس بالصبر على فشلها إلى أجل غير معلوم.
إن المواطن الذي يحتاج إلى وسيط حزبي ليحصل على حقه يصبح أكثر عرضة للابتزاز السياسي. ومن هنا تلتقي الزبائنية بالطائفية: تُضعَف المؤسسة العامة، ثم يُقدَّم الحزب باعتباره الطريق الضروري إلى خدماتها.
لماذا تخدم هذه المعادلة مصالح إيران؟
تلتقي مصالح أي قوة خارجية راغبة في التأثير مع مصالح القوى المحلية التي تستمد من الارتباط بها دعماً يعزز موقعها الداخلي. وفي الحالة العراقية، فإن الخطاب الذي يمنح التقارب المذهبي مع إيران أولويةً على استقلال القرار العراقي يهيئ لتبرير هذا الارتباط، ويصعّب مساءلته.
المشكلة ليست في العلاقات مع إيران. فهي دولة جارة، والعلاقات المتوازنة معها ضرورة تفرضها الجغرافيا والمصالح المتبادلة. المشكلة تبدأ حين تُعامل مصالح الدولة الإيرانية باعتبارها التزاماً واجباً على العراقيين، أو حين يُطلب من العراق أن يتحمل كلفة صراعات لا يملك قرارها.
والتقارب الديني لا يلغي اختلاف المصالح بين الدول. فالدولة الإيرانية تتصرف وفق حساباتها الأمنية والاقتصادية والسياسية؛ ومن واجب المسؤول العراقي أن يتصرف وفق حسابات العراق. وأي خطاب يطالب الطرف العراقي بتجاوز هذه القاعدة يمنح الطرف الآخر امتيازاً سياسياً بلا مقابل واضح للمواطنين.
كما أن اختزال الشيعة العراقيين في الولاء لإيران يظلمهم ويصادر استقلالهم وتنوعهم. فلا حزب يحتكر تمثيل مذهب، ولا دولة تمثل جميع المؤمنين به، ولا يمنح الانتماء الديني أحداً تفويضاً للتصرف بمصير العراق.
من تبرير الاستثناء إلى تطبيع التبعية
لا يجري إضعاف الحس الوطني دفعة واحدة. يبدأ الأمر بتبرير استثناء: سلاح لا يخضع فعلياً لقرار الدولة، أو موقف خارجي لا يُناقَش وفق المصلحة العراقية، أو امتياز حزبي يُقدَّم باعتباره ضرورةً لحماية الجماعة. ثم تتراكم الاستثناءات حتى تصبح المطالبة بالقاعدة العامة عملاً مشبوهاً.
وتؤدي اللغة دوراً مركزياً في هذا المسار. فكلما اكتسب قرار سياسي حصانةً دينية أو هوياتية، تقلصت مساحة مناقشة نتائجه. وحين يُطالب المواطن بإثبات انتمائه قبل أن يسأل عن المال العام أو الأمن أو السيادة، تكون السلطة قد نقلت عبء التبرير من المسؤول إلى المتضرر.
وهذا ما يجعل عمل المنظّر السياسي خطيراً حين يكرّس جهده لتجميل التبعية: إنه يمنح الخلل تفسيراً أخلاقياً، ويحوّل قبول الضرر إلى فضيلة، ويجعل الاعتراض عليه موضع اتهام.
أما وصف فعل محدد بأنه «خيانة»، فيحتاج إلى تحديد الوقائع والمسؤوليات والأدلة، وإلى تمييز الحكم السياسي عن الاتهام الجنائي. فمواجهة خطاب التخوين تستلزم لغة دقيقة تستطيع إثبات كيف أُهدرت المصلحة العامة، ومن اتخذ القرار، ومن استفاد منه، ومن دفع كلفته.
الدستور ومعيار السيادة
لا تحتاج المطالبة باستقلال العراق إلى اختراع مرجعية جديدة. فالدستور يقرر استقلال الدولة وسيادتها، ويجعل الشعب مصدر شرعية السلطات، وينظم العلاقات الخارجية على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل، ويحظر تشكيل ميليشيات خارج إطار القوات المسلحة. وهذه مبادئ تضع أساساً لمساءلة أي ممارسة تناقضها. (iq.parliament.iq )
لكن النص لا يحمي نفسه. ففاعليته تتوقف على مؤسسات تستطيع تطبيقه على أصحاب النفوذ، وعلى رأي عام يرفض تحويل الانتماء الحزبي إلى حصانة. والسيادة تُختبر عندما تتعارض رغبة جهة نافذة مع قرار المؤسسة، وعندما يصبح تطبيق القانون مكلفاً للسلطة.
ولهذا لا تكفي الدعوة إلى «حكومة وطنية» من دون السؤال عن استقلال قرارها، وشفافية مواردها، وقدرتها على إخضاع أدوات القوة للمساءلة. فالوطنية تُقاس بالقيود التي يقبلها الحاكم على سلطته، وبالحقوق التي يضمنها لمن يعارضه.
استعادة الوطنية من محتَكريها ومشوّهيها
إن مواجهة التبعية تتطلب معياراً واحداً يُطبَّق على الجميع: رفض إخضاع القرار العراقي لإيران أو لأي دولة أخرى، ورفض استخدام الأرض والموارد والمواطنين أوراقاً في صراعات الخارج. فالانتقائية تُضعف الحجة الوطنية وتحولها إلى أداة إضافية في التنافس الحزبي.
وتتطلب كذلك ربط السيادة بالعدالة. فالمواطن الذي يعاني البطالة والتمييز والإذلال عند أبواب المؤسسات يحتاج إلى أن يرى الوطن في حياته اليومية: مدرسةً جيدة، وقضاءً منصفاً، وعملاً كريماً، وحمايةً لا تستلزم بطاقة حزب. كلما اتسعت هذه الحقوق، تراجعت قدرة الوسطاء على مقايضة الحماية بالولاء.
لماذا، إذن، يُشوَّه مفهوم الوطنية؟ لأن المواطن الذي يؤمن بأن العراق ملك لجميع أبنائه سيطالب بحساب على كل قرار وامتياز وارتباط خارجي. ولأن الدولة التي تساوي بين مواطنيها تقلل حاجة الناس إلى وصاية الأحزاب. ولأن سيادةً قابلةً للتطبيق تضع حدوداً لمن اعتاد ممارسة النفوذ بلا مسؤولية.
إن مسؤولية المثقف أن يكشف هذه المصالح خلف اللغة التي تسترها، وأن يعيد السؤال إلى موضعه الصحيح: ماذا يربح العراقيون من هذا القرار، وماذا يخسرون، ومن يملك حق اتخاذه باسمهم؟
عندما يصبح هذا السؤال حقاً يومياً لا تهمةً، تستعيد الوطنية معناها السياسي والأخلاقي: شعباً يملك قراره، ودولةً تخدم مواطنيها، وسلطةً تعرف أن بقاءها مشروط بأمانتها للعراق.
2026-11-01