مالك بن نبي!
د.موفق محادين
إذا كان من مفكر اسلامي معاصر لا بد من استحضاره في ضوء التحديات الراهنة، فهو المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي غيبه عدم انخراطه في الثورة الجزائرية عن المشهد الفكري والسياسي الجزائري والعربي والاسلامي.
فكما سنرى مالك بن نبي ليس سلفياً وليس مستغرباً ولا يمكن ادراجه في خندق محدد (الصراع أو الوحدة) في العلاقة الملتبسة مع الغرب… وهو أيضاً مشروع خطاب عربي – اسلامي معاصر جداً وأرقى من كل ما نسمع ونقرأ حول التجديد والتحديث الشكلي بما هو، أي مالك بن نبي، حالة معرفية بالمعنى المنهجي وحالة سياسية لا تغادر التاريخ الوسط الاجتماعي في تحليقات مجردة.
مالك بن نبي عالم اسلامي بكل معنى الكلمة ولكنه في الوقت نفسه باحث ودارس نقدي وموضوعي للتيارات والمدارس الفكرية والاجتماعية، بل ان العلماء والمستشرقين الفرنسيين تراوحوا في قراءته بين اعتباره المجدد الأول للخلدونية (ابن خلدون) وبين اعتباره بسبب تاريخه المفرطة وتركيزه على العوامل الاجتماعية بسبب اقترابه من جدل الطبيعية عند انجلز وتشبيهاته المباشرة (البلازما الثقافية) (ردود الفعل الاجتماعية المماثلة للميكانيك).
غير أن دحض تأثيرات هيغل والفرويدية الجديدة في أعماله، ليس أمراً سهلاً بسبب استخداماته المباشرة. وفيما يخص الهيغلية فالحضارة بالنسبة له تسير كما الشمس فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب ثم متحولة إلى افق شعب آخر.. كما يرى أن الحضارات حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية.. هكذا تلعب الشعوب دورها، وكل واحد منها يبعث ليكون حلقته في سلسلة الحضارات.
ومع ذلك فإنه يحذر من المركزية الثقافية الأوروبية ويرى أن الفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في اطار الدورة الزمنية الغربية وأخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية.
أما أبرز أفكاره كما في كتابه الشهير “شروط النهضة” فتتناول الأفكار والتيارات السائدة في مرحلته والتي تتراوح بين السلفية المغلقة والانفتاح المفرط كما بين النزعات العلماوية والشكلية المختلفة.
ولا يرد انحطاطنا إلى الاستعمار، الذي هو كما يقول نتيجة حتمية لتخلفنا نحن، فلا ينجو شعب من استعمار قبل أن يوفر الشروط الموضوعية لدحره من الداخل.
وفي سجالات مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده فإن رأي الأول كرجل سياسة، يرد المشكلة إلى جانبها السياسي ورأي كرجل فإنه يربطها بإصلاح العقيدة وتطوير علم الكلام وهذان الرأيان لا يعالجان المرض الحقيقي بل أعراضه وينتقد أيضاً مشروع مصطفى كمال الذي حول معركة النهضة إلى معركة بين الطربوش والقبعة.
إن الأزمة المراخصة، كما يقول، تكمن في أننا نجهل القوانين الأساسية لوجودنا ومصيرنا.. ويتوقف عند القضايا التالية:
أولاً: إن المشكلة ليست في الطربوش ولا في تطوير علم الكلام بل في تطوير علم الاجتماع… ويرى أن العلاقات الاجتماعية في افقها الانتاجي والثقافي معاً هي الشرط الموضوعي لكل تقدم.
ثانياً: العمل الذي يقرر مصير الاشياء في الاطار الاجتماعي.. ويرى أن مبدأ أن لا الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم لا ينبغي أن يقرر حسب الايمان به فقط، بل في ضوء التاريخ ويعود إلى هيغل (بصورة غير مباشرة) عندما يربط منطق العمل بوسائله ومعانيه (فنحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق بوصفه العقل التطبيقي لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا) (عند هيغل، العقل التطبيقي يساوي المنطق، والعقل المجرد يساوي الروح).
ثالثاً: التاريخ كسياق حي للتقدم والوقائع ويحتل أهمية بارزة في كتابات هذا المفكر الذي يرى أن “مكانتنا من دورة التاريخ” أكثر من شهادة ما، فهي التي تحدد عوامل النهضة والسقوط، وتسمح بالاستمرار أو الانبعاث انطلاقاً من ايمانه بأن للتاريخ دورة تعيده بصور جديدة في كل مرة.
ويربط هذا التاريخ بهذا المعنى وبين الحضارة ويحيل مشكلة أي شعب إلى مشكلة حضارية خاصة، تتفاعل مع العالم وتطور هويتها في الوقت نفسه فلا تستقيم بدون هذين العنصرين معاً، المجال الحيوي والمجال الفكري أو الروحي، بما يذكر أيضاً بتأثره بالمدرسة الألمانية (وليس الفرنسية كما هو شائع).
فالروح الهيغلية تتحول عنده إلى قوة دينية حاسمة لا تظهر حضارة بدونها من الحضارة الاسلامية التي بدأت بتجلي هذه الروح في غار حراء وانعكست على جمهور المؤمنين في بدر وحفر الخندق في أيام قليلة.. بل انه يعتقد ان المسيحية نفسها لم تنتشر لولا البداوة الجرمانية المشيعة بهذه الروح.
2021-11-01