أخطر ثلاثة مشاريع يمينية بعد طوفان الأقصى.. والمسمار الأخير في نعش الاحتلال!
بقلم بكر السباتين
تحلّ هذه الأيام الذكرى الثالثة لـ”طوفان الأقصى”، الحدث الذي شكّل في السابع من أكتوبر نقطة تحوّل في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي، وفرض إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي حكمت مقاربته لعقود. كما أعاد فرز المواقف العربية والدولية، وكشف بوضوح أكبر طبيعة الصراع وحدود الانحيازات السياسية الداعمة للاحتلال.
غير أن هذا التحول جاء بكلفة إنسانية هائلة، من قتلى ودمار ونزوح وتهجير، فيما بقيت أهداف الحرب المعلنة موضع اختبار، ولا سيما ما يتعلق بالقضاء على المقاومة وفرض التهجير. وفي الضفة الغربية، عمّقت الحرب الانكشاف بين الفلسطيني المتمسك بأرضه وحقوقه، وشبكات التواطؤ التي تتحرك تحت مظلات مختلفة.
لذلك، لا تختزل دلالة “طوفان الأقصى” في نتائجه العسكرية المباشرة؛ فالأهم أنه كسر نمطًا مستقرًا في إدارة الصراع، وأعاد القضية إلى مركز المعادلة. ويبقى السؤال: هل كان السابع من أكتوبر انفجارًا عابرًا، أم بداية مرحلة جديدة تعيد رسم مستقبل القضية الفلسطينية وموازين المنطقة؟
ولعل التهجير القسري بات اليوم الهاجس الأخطر في معادلة التمدد الإسرائيلي، في ظل محاولات إعادة رسم المنطقة بما يتجاوز الحدود التي كرستها اتفاقية سايكس-بيكو. وقد انعكس ذلك في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وفي مقدمة ذلك خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين حاول تقديم جرائم الاحتلال في الضفة الغربية باعتبارها أعمالًا فردية من جانب بعض المستوطنين، وطرح التوسع في الجولان المحتل باعتباره حقًا توراتيًا، بينما قدّم الحرب على غزة بوصفها دفاعًا عن “الإنسانية”» في مواجهة ما سمّاه الإرهاب الإسلامي.
لكن الخطاب لا يعمل وحده. فهناك مشاريع وأدوات تتحرك على الأرض، بعضها قانوني وفكري، وبعضها تحت غطاء إنساني، وبعضها يأخذ شكلًا أكثر تطرفًا وعنفًا.. ولعل أخطرها:
أولًا: الهندسة الفكرية والقانونية لليمين
من أبرز الأدوات التي تستحق التوقف عندها منتدى كوهيليت للسياسات، وهو مركز أبحاث إسرائيلي محافظ تأسس عام 2012، وأصبح من أبرز مراكز التأثير في اليمين الإسرائيلي. وقد أقر مؤسسه ورئيسه موشيه كوبل بأن المنتدى بحث في ملف الإصلاح القضائي لأكثر من عقد، فيما وثقت تقارير صحفية دوره في صياغة ودعم أجزاء أساسية من مشروع إضعاف المحكمة العليا.
ولا يقتصر تأثير المنتدى على القضاء؛ فقد ارتبط اسمه بدعم سياسات اليمين المتعلقة بالاستيطان والضم، وبإعادة صياغة بعض المناهج والرؤية المدنية للدولة. كما كشفت تقارير عن تمويل أمريكي للمنتدى، من بينها تبرعات مرتبطة بالمليارديرين الأمريكيين آرثر دانتشيك وجيفري ياس، فيما أشارت تقارير أخرى إلى تحويل ملايين الدولارات عبر الذراع الأمريكية للمنتدى.
وهنا تكمن خطورة هذا النوع من المشاريع.. فهو لا يعمل كتنظيم عسكري، ولا يمسك بالبندقية مباشرة، لكنه يسهم في إنتاج البيئة القانونية والفكرية التي تسمح بتوسيع نفوذ اليمين، وإعادة تعريف علاقة الدولة بالمحكمة والقانون والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.
وبذلك يصبح الاحتلال أكثر من وجود عسكري على الأرض؛ يتحول إلى منظومة تشريعية وفكرية تسعى إلى جعل السيطرة والاستيطان والضم أمرًا طبيعيًا وقابلًا للتثبيت بالقانون.
ثانيًا: “المجد أوروبا”.. حين يختلط الإجلاء بالتهجير
المشروع الثاني أكثر التباسًا، لأنه يتحرك تحت غطاء إنساني.
فقد برز اسم “المجد أوروبا” في عمليات إخراج فلسطينيين من قطاع غزة عبر ترتيبات غير شفافة، ولا سيما بعد نقل مجموعات من الغزيين إلى جنوب أفريقيا ودول أخرى. وتناولت تحقيقات صحفية دولية طبيعة المنظمة الغامضة، والجهات المرتبطة بها، والمسارات التي سلكتها الرحلات، والرسوم التي دفعها بعض الفلسطينيين مقابل مغادرة القطاع.
وتشير التحقيقات إلى صلات بشخص يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والإستونية، وإلى شبكة شركات وواجهات مرتبطة بعمليات تنظيم الرحلات. كما تحدثت تقارير عن تنسيق مع جهات إسرائيلية معنية بما يسمى “الهجرة الطوعية”، وهو ما أثار مخاوف فلسطينية ودولية من أن تتحول الحاجة الإنسانية إلى أداة لإفراغ غزة تدريجيًا من سكانها.
ولا يعني ذلك أن كل فلسطيني غادر غزة عبر هذه القنوات كان ضحية تهجير قسري؛ فكثيرون غادروا تحت ضغط الحرب والدمار وانعدام الأمان، وبحثًا عن مخرج لعائلاتهم. لكن السؤال السياسي والأخلاقي يبقى قائمًا: متى تتحول “الهجرة الطوعية” إلى تهجير مقنّع حين تصبح الحياة داخل الوطن مستحيلة، ويُفتح في المقابل مسار منظم للخروج منه؟
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشروع.. ليس في الطائرة التي تقل الفلسطيني إلى الخارج، بل في تحويل البقاء في الوطن إلى خيار مستحيل، ثم تقديم الرحيل بوصفه الحل الوحيد المتاح.
ثالثًا: “خطة البروفيسور”
أما المشروع الثالث، فهو الأكثر خطورة من حيث طبيعته المباشرة، لأنه يتجاوز الاستيطان والتشريع والتهجير غير المباشر إلى التخطيط للعنف الجماعي.
فبحسب لائحة اتهام إسرائيلية أُعلنت في أكتوبر 2026، وُجّهت إلى أستاذ رياضيات في جامعة بار إيلان، يبلغ نحو الستين من العمر، اتهامات بتطوير مخطط لقتل مئات العرب ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم. ووفق ما أوردته النيابة، تضمن المخطط تشكيل 12 خلية تضم 72 منفذًا يهوديًا، وتنفيذ هجمات متزامنة في بلدات عربية ومدن مختلطة، باستخدام أسلحة مختلفة.
والأخطر أن المخطط، بحسب الاتهام، لم يكن يستهدف العرب داخل فلسطين المحتلة عام 48 بما يسمى “إسرائيل” فقط، بل شمل أيضًا فلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية، مع تصور لتوثيق الهجمات ونشرها بما يؤدي إلى بث الرعب ودفع السكان إلى الرحيل.
وتحدثت لائحة الاتهام كذلك عن محاولة الحصول على دعم من جهات داخل الجيش الإسرائيلي لتوفير إسناد عسكري للخلايا، بما في ذلك استخدام سلاح الجو والمدفعية والمدرعات ضد مناطق سكنية عربية. كما اتهمت صاحب المخطط بمحاولة تجنيد شخصيات سياسية يمينية متطرفة للمساعدة في استقطاب منفذين.
وقد فشل المخطط، بحسب النيابة، في الوصول إلى مرحلة التنفيذ الواسع، بعد أن أخفق صاحبه في تجنيد العدد المطلوب من المشاركين، قبل أن ينكشف أمره ويُعتقل.
ليست القضية مجرد انحراف فرد، وإنما تمثل نموذجاً مشهوداً عبر الفضاء الرقمي، لما يفعله التطرف حين يتحول من خطاب إلى تخطيط، فيطرح السؤال نفسه: كيف لأستاذ جامعي أن يبني تصورًا للقتل الجماعي وتهجير الفلسطينيين بوصفه مشروعًا قابلًا للتنفيذ؟
وهل يختلف ذلك عن أطروحات اليمين الإسرائيلي، بقيادة بن غفير وسموترتش، أو عن الشحن العنصري في المناهج الإسرائيلية الذي أسهم في استسهال إبادة الفلسطينيين في غزة، وفق ما وثقه الفيلم الاستقصائي الإسرائيلي “نازا”، للمخرجين الإسرائيليين: يوفال أبراهام، وراشيل زور، وبمشاركة “الغارديان” في إنتاجه؟
وقد أثار الفيلم ضجة لاعتماده على شهادات 24 عسكريًا وضابط استخبارات إسرائيليًا، وعرضه اعترافات بشأن أنظمة الاستهداف والذكاء الاصطناعي وتراجع القيود على قتل المدنيين؛ وهي وقائع رفضها الجيش الإسرائيلي وشكك في موثوقية بعض الشهادات.. لا بل وأنتج فلماً مزيفاً مضاداً يحمل نفس الاسم بغية تضليل الرأي العام الذي صار يميل بازدياد نحو الرواية الفلسطينية التي قلبت العالم على الاحتلال الإسرائيلي وأمعنت في عزله؟
وربما تكمن أخيراً المفارقة الكبرى لـ”طوفان الأقصى”، بحيث أنه لم يهدم جدارًا في غزة فحسب، بل هزّ الصورة التي أراد الاحتلال ترسيخها عن نفسه كقوة قادرة على إخضاع الفلسطينيين إلى الأبد. فكلما بالغ في القتل والتدمير، اتسعت عزلته، وكلما حاول فرض الاحتلال بالقوة، تحوّل الاحتلال إلى عبءٍ أخلاقي وقانوني وسياسي على أصحابه. قد لا يكون السؤال اليوم: متى ينتهي الاحتلال؟ بل: كم يستطيع الاحتلال أن يصمد بعدما بدأ العالم يرى كلفته، والفلسطينيون يرفضون الاستسلام، والتاريخ نفسه ينقلب على مشروعٍ أراد أن يكون أبديًا؟
8 أكتوبر 2026