أريد اليوم الفرار من عالم السياسة العربي البائس من مشرقه إلى مغربه، عالم أثبت قادته السياسيون و الأمنيين و خبراءه الاستراتيجيين إن وُجدوا، فشلا مروعا و سقوطا مدويا، و لعلني أقول بالفم الملآن : أن من أعظم نعم الله على الكاتب أنه ليس من هؤلاء الرهط، و لمفردة الرهط في القرآن الكريم دلالة أقصدها و أعنيها، و أكثر من ذلك وفقه كمواطن كادح متواضع التحصيل العلمي، يحذر عام 2010 في مقال له بصحيفة “القدس العربي” من تسونامي الشعوب العربية، لم يكن ذلكم التحذير اجترارا لما طالعه، و لا رجع صدى لمفكر أو خبير، بل حدس فطري لدى مواطن عربي، ناتج عن معايشة واقع مرير، تحده أضلاع أربعة، أولها غياب العدالة الاجتماعية، و انفصام شخصية المنظومة القانونية، التي تميّز بشكل فجّ بين أفراد نظام الحكم و بين بقية المواطنين؛ و ثانيها إفلاس كلي في الادارة و تسيير شأن الدول العربية، ما اتفق على اصطلاحه بالمنظومة البيروقراطية المتكلسة حد التحجر، و التي تحمل في أحشائها كل أجنّة الفتن من المحسوبية و المناطقية و التمييز العرقي، فضلا عن آفة الرشوة و التربّح غير المشروع؛ ثالثها غياب كلي لقضية جامعة و هدف واضح و رؤية محددة لحاضر و مستقبل أجيال هذه الأمة و أوطانها، ما جعل العقل و الوعي الجمعِيَيْن تائهيْن، و مُتَخَطّفيْن من كل جانب، بل صيدا سهلا لكل من يريد أن يتلهّى بهذه الشعوب و يعبث بكياناتها؛ رابعا و أخيرا و ليس آخرا، ارتهان القيادات العربية عقلا و سلوكا للقوى الأجنبية، و تواكلها الأعمى عليها، مترجمة بذلك عمالة مهينة و مسفة. هذه العوامل البارزة كانت ممهدة لواقع ما نراه في مشرقنا العربي من تفجّر أقطار و تمزق شعوب، نعم هي العوامل الرئيسية و ما بعدها ليس أكثر توابل إضافية، و هذه المفاعيل كلها تتضخم بسرعة مخيفة في بطن المغربي العربي، من تونس الى المغرب مرورا بالجزائر، و من يتوهم بأن مخاض هذه العوامل الصواعق، سينتهي لنهضة خلاف المشرق، فلا محالة أنه مغيّب العقل تماما. إنما هي مسألة وقت ليس إلا.
أخرج من قاع السياسة العربية، لأعرض بين أيديكم جزءا من واقعي كفلاح، له تجارب مريرة مع مافيا المال برعاية الأنظمة العربية بل و تزكية منها، قد يستهين القارئ بهذه الجزئية، غير أنه لو قام بجمع أجزاء حياة العامل المنتج في الأمة، و على وجه التحديد أصحاب الحرف اليدوية التي تعمل في مجال الغذاء و النسيج، لوقف على ما يدعوه على الأقل للتأمل قبل الاستصغار و التهوين.
بداية لابد من التذكير بأن الجزائر (هنا كمثل) كانت الى غاية 1830 عام احتلالها، أهم و اكبر مصدر للمواد الغذائية الرئيسية للدول الأوربية، حتى وصفت في تلكم المرحلة بـ “سلة غذاء أوروبا”، و بالعودة للشواهد نقف على ما سجله حمدان بن عثمان خوجه في كتابه المرآة، عن صناعة النسيج التي كانت تصدر لمصر و تركيا و غيرهما من البلدان، و اشار لكميات الصادرات تقدر بحمولة بواخر. و بعد الاستقلال 1962 استأنف الشعب الجزائري عمله بحرية و نشاط، ضمن الاكتفاء الغذائي الذاتي، و راح في منحى تصاعدي نحو رفع كميات الصادرات من إنتاجه الى غاية عام 1975، الذي كسر ظهر الانتاج بفرض الثورة الاشتراكية، و سجل فيه أول مرة بتاريخ الجزائر استيراد المواد الغذائية الرئيسية من قمح و غيره؛ و من يوم ذلك الخيار غير مدروس العواقب الوخيمة (كما أقر النظام بذلك 1987 و راجع سياسته 1990)، مازالت فاتورة استيراد المواد الأساسية في ارتفاع مروع، يستنزف بشكل مقزز خزانة الشعب.
و السؤال الذي يفرض نفسه: هل الفلاح الجزائري عاجز فعلا؟
و لأنني فلاح أجيب عن علم و تجربة بالقول: لا.
هناك حلقة لا يعرفها غير الفلاح و مافيا المال القذر، خلاصتها من الواقع الذي يستحيل على أحد إنكاره متى نزل الى الميدان، و عاين و تابع سلسلة المنتج الفلاحي.
لن أطيل عنكم بتفاصيل مملة عن شقاء الفلاح و عرقه، من يوم حرث الأرض و إعدادها، الى البذر و متابعته سقيا و علاجا ثم جني غلته أو حصاده، و حسب الإنتاج تتراوح دورة العمل من شهرين الى ستة أشهر؛ هنا انتهى عمل الفلاح و مسؤوليته، و يأتي من المفترض دور الدولة، غير أنه غائب تماما بشكل متقصد، ليحل محله أرباب المال المافيوي، ذلك أن الفلاح ليس بإمكانه تسويق انتاجه لكونه يتجاوز قدراته الذاتية، ما يضطره سواء لبيع منتوجه في المزرعة، أو يتجشم عناء نقله في شاحنات الى سوق الجملة؛ و بما أن منتوج الخضروات لا يتحمل يعمّر بين الجني و الاستهلاك فترة طويلا، يكون من الضروري بيعه في وقت وجيز؛ هنا يستغل تجار الجملة بتواطئ كلي مع المسؤولين على هذا القطاع الحساس، فرصة تحديد السعر بأدنى قيمة ممكنة، أحيانا تكون أقل من الكلفة ذاتها، حاجة الفلاح لسداد ديونه و دفع أجور عماله اليوميين، تضطره غالبا للقبول، و على سبيل المثال لا الحصر، أذكر يوما أدخلت لسوق الجملة شاحنة من البطاطا من أجود الأنواع، اضطررت لبيعها بعد معاناة في مفاوضات تجار الجملة، بقيمة تسعة (09) دنانير للكيلوغرام الواحد، تم البيع على الساعة الرابعة فجرا، و طلب مني المشتري العودة على الساعة التاسعة صباحا لأقبض حقي، حين عدت اليه فوجئت بأن محصولي نفسه قد بيع لتجار التجزئة بثلاثين (30) دينارا، نعم جهدي و عرقي و تعبي لمدة أربعة اشهر متواصلة، لم يثمر حتى رأس المال، و تاجر المافيا خلال خمس ساعات فقط، تحصل على ربح رأس ماله بنسبة 250%، و لأكمل لكم القصة وصل المنتوج ذاته للمستهلك عبر تجار التجزئة بحوالي 40 دينار في نفس اليوم؛ و على القارئ أن ينظر بعمق في تداعيات هذا المشهد المأساوي بحق.
و أختم هنا بواقع آخر في ذات الشأن، من يصدق بأن المواطن الجزائري لا يستهلك السمك لغلائه الفاحش، في حين أن شريط بلده على البحر يقارب 1400كلم؟ نعم نحن في الوسط و الجنوب على الاقل نعد استهلاك السردين و لا اتحدث عن التونه مثلا و غيرها، ترفا بل بذخا زائدا عن الحد؛ هنا أسجل شهادة أحد مدراء وزارة الصيد، التي أدلى بها منذ بضع سنوات، و خلاصتها أن الصيادين الذين يعرضون نفسهم للمحاطر في عرض البحر، حين يعودون بصيدهم، يجدون على رصيف الميناء أباطرة المال المافيوي (بتوطئ كذلك و تحت نظر السلطة) في انتظارهم، ليشتروا منهم بستة (06) دنانير للكيلوغرام من السردين مثلا، و هؤلاء أنفسهم يبيعونهم على ذات الرصيف و في نفس اليوم لتجار التجزئة بمائة و خمسين 150 الى مأتي 200 دينار، تخيلوا هذا الفارق الإجرامي بحق العامل المنتج الجزائري؛ ثم ليصل في ذات اليوم الى المستهلك بسعر 300دينار.
قد يسخر البعض من موضوع اليوم، و لا ينتبه الى أنه يعني كل الشعب، نعم أنا الفلاح اتحدث عن موضوع يتناوله الشعب كل الشعب يوميا، بل و لا غنى للشعب عنه في اي يوم، إنه الغذاء الذي يُضرب في أصل انتاجه، و تُسوس عن قصد جذوره.
لماذا السلطة لا تضع حدا لهذه المافيا؟ ببساطة و صراحة لأن رؤوس المافيا اشترت بأموال سحتها و إجرامها هذا كل ضمائر المسؤولين باختصار شديد.