أحمد الناصري
هناك ماركسيون أو (مدعون) بلا ماركسية، كذلك هناك ماركسية (شكلية) بلا ماركسية أيضاً. بل يريدون ماركسية ضد الماركسية، أي بلا اشتراكية ولا نظرية وتنظير (ملينا من التنظير رغم عدم وجوده!) وصراع اجتماعي (طبقي). وهذا صراع وخلاف قديمين، كأمر طبيعي حول قضايا كبرى تخص الإنسان وحالته الاجتماعية.
آخر صرعة وصرخة، هي عرض مشوه للماركسية، التي هي نطريه نقد الرأسمالية والاستغلال فقط لا غير، مع العمل على تغيير العالم. البعض يطرح ماركسية من دون جوهر الماركسية النقدي للاستغلال الرأسمالي، وما ينتج عنه من استغلال وصراع طبقيين…
يريدون ماركسية مخففة (بلا لون ولا طعم سائلة عائمة) ومحسنة وعاقلة وليبرالية أو ما بعد الماركسية (بلا ماركسية)….
الماركسية، لم تصطنع ولم تختلق وتفرض على الناس وعقولهم مسألة الصراع الطبقي، الناتج عن الاستغلال والاضطهاد والتباين الطبقي، بكل أشكاله الوحشية. الماركسية اكتشفت ذلك، وساهمت بخلق وعي اجتماعي تاريخي مختلف للحياة. وهذا جوهر الماركسية وقوانينها العامة، التي لم تتجاوزها الحياة والتاريخ لحد الآن على الأقل. فلا ماركسية بدون نظرية فائض القيمة.
طبعا الحياة تطرح أسئلة يومية كثيرة وتبدلات في قضايا طبيعة الوجود الإنساني وقضايا الاستغلال والجوع والفقر والحروب والتدمير، التي هي حالياً نتاج نهج اقتصادي سياسي عسكري (كوني وله مركز) يهيمن على العالم ويسحق شعوب ودول ومجتمعات ومناطق. كما يحصل في منطقتنا المنكوبة بأنظمة تابعة وبالتدخل الخارجي المباشر (احتلالات وحروب)…
الموقف الخارج على الماركسية قديم وليس بأمر جديد، حصل مع ماركس في حياته. بعض الصراعات لها مستوى وثقل حقيقي، وبعضها خاصة في تجاربنا الماركسية اليتيمة عبارة عن (تمسلت مقطع).
مصدر هذه المواقف في بلادنا ومنطقتنا، هو اليمين المتخلف التابع للمدرسة والماركسية السوفيتية القديمة المنهارة، حيث كانوا يخضعون لعملية تلقين صارمة. بقاياهم، أو بقايا بقاياهم، دراويش يدورون حول الطوطم المقدس، الذي لا ينتقد ولا يمس. البعض الآخر ممن انهار وتحول بعد صعود الفاشية وصار يكتب في صحف النظام ويعمل نادلاً ليلياً عند الرفيق محمد الشفل (ضابط التعذيب في أمن الناصرية) وامثاله، الذي يقدم لهم الحماية وفضالة مقاولات. وقسم انقطع عن الحياة والتطورات والتحولات السريعة، بينما استغل قسم آخر سقوط التجربة السوفيتية ليركب عربة الرأسمالية والرجعية ويعمل في صحف النفط ومراكز الدراسات مع انبهار ومديح خاص بالدول الرأسمالية وتطورها وشتائم مقرفة للشعوب والمجتمعات المحطمة والمضطهدة، كونها كسولة وخاملة غير مبدعة ولا تحب التطور…
أنها اخلاط وخلطة تناسب وتليق بأزمة انهيار تاريخية، بينما تظل الماركسية منهج وأداة لدراسة وتحليل الواقع المحدد….
لمحة عن قضايا الماركسية (القديمة والجديدة)
مقتطف من دراسة ماركسية طويلة
هناك قضايا وأسئلة كثيرة تواجهها الماركسية (القديمة والجديدة)، وهي القضايا والأسئلة الفكرية والاجتماعية والسياسية عن الحياة والتاريخ والواقع، وعن الماركسية وأسسها الكلاسيكية، والنواقص الأولى والتوقفات والتشوهات اللاحقة التي اعترتها، في المجالين النظري والتطبيقي، والقضايا الجديدة والكثيرة المطروحة الآن على الماركسية والماركسيين، وأسئلة الحياة الكثيرة والمعقدة والمتجددة، من أجل ماركسية للقرن الحادي والعشرين، وما بعده (ماركسية المستقبل)، ماركسية نقدية تستوعب التطورات الكونية، الاجتماعية والعلمية الهائلة، التي طرأت على الحياة منذ أطروحة ماركس الأساسية في القرن التاسع عشر(وما سيأتي لاحقاً)، لمعرفة حالة وخصائص الماركسية الأصلية (ماركسية ماركس)، ووضع وإمكانيات الماركسية الحالية، وما تبقى منها وما أضيف إليها من اجتهادات ومراجعات هامة، وقدرتها الفعلية على استيعاب كل هذه التحولات المستمرة، وهذا هو المهم، وليس ما كتب في بداية المشروع على يد ماركس فقط، أو التوقف عنده وتكراره بإيمانية جامدة تتعارض مع جوهر الماركسية، بينما الحياة والتاريخ يواصلان سيرهما الدائم والحثيث نحو أفق مفتوح بلا نهاية.
إننا بحاجة الى ماركسية ترتبط بالحياة وبالواقع المتحوّل، مما يحقق ماركسية المستقبل. ومثلما نجد الحاجة المستمرة للماركسية الى الآن، كمنهج نقدي، فأننا نرى الحاجة الدائمة لمراجعتها ونقدها وتطويرها وتغذيتها بالأسئلة والمساهمات الجديدة والدائمة. إن توقف الاجتهاد والنقد الماركسيين والعقليين يعدّ موتاً حتمياً للماركسية، باعتبارها نشاط عقلي دائم.
الماركسية أطروحة معرفية، ليست كلية ولا مغلقة ونهائية أو منجزة سلفاً، وهي نظرية اجتماعية وإنسانية هامة ومتقدمة في تاريخ العقل البشري، بحثت مصالح وقضايا وحاجات الإنسان والطبقات الاجتماعية، اليومية والمستقبلية، ودرست التاريخ وقضايا الفلسفة والاقتصاد والثقافة والأدب والفنون، وأنتجت علم اجتماع سياسي حديث ومختلف عما قبله، وهي بهذا المعنى المعرفي، المحدد والعميق، حلقة لامعة وباهرة في (السلسلة الذهبية للفكر الإنساني الراقي)، لكنها النظرية الأولى من حيث العمق والجذرية، التي درست وفككت طبيعة الرأسمالية، (باعتبارها نظرية نقد الرأسمالية) وآليات عملها، وأشكال الاستغلال الطبقي، الشامل والسريع والبشع، الذي تمارسه بحق الطبقات والفئات الأخرى، وما ينتج عنه من صراع طبقي، كمحرك وحاكم للحراك الاجتماعي، وكقضية موضوعية، لم تكن من اختراع أو مبالغة الماركسية، كما يدّعي البعض، وباعتبار الرأسمالية المرحلة التاريخية التي لازالت تعيشها البشرية الى الآن، وطرحت كيفية التصدي لها، وكيفية تجاوزها، وتحقيق حلم البشرية الكبير في الحرية والعدالة الاجتماعية، من خلال تطبيق النظام الاشتراكي، كإمكانية فعلية يمكن تحقيقها بشروط معينة.
وهنا تمكن القيمة الأساسية والاستثنائية، النظرية والعملية للماركسية، في جانبها السياسي والاجتماعي والتاريخي المباشر، الى جانب القضايا الاستشرافية الكبرى، حول وجود ومصير الإنسان ككائن معرفي، صاحب دور مركزي، وحول طبيعة الحياة والتاريخ.
وعلى صعيد آخر لم يتم تجاوز الماركسية الى الآن (قد يحصل هذا في المستقبل بأطروحة إنسانية جديدة) والتخلي عنها ودفنها كما يشتهي ويتمنى خصومها.
وقد جرت محاولات تطورية وتطبيقية هامة وكبيرة، (بُعيد ماركس) على أيدي زملائه وأجيال من الماركسيين الألمان والروس، وخاصة محاولات وتجربة لينين وعموم التجربة الروسية، على الرغم من خصائصها المحلية البارزة والمعروفة.
كما تعرضت الماركسية للتخريب والتشويه والتفريغ بعد السيطرة والتجربة الستالينية المتخلفة من الناحية النظرية والتطبيقية المتعارضة مع جوهر الماركسية الإنساني والحداثي في جميع مجالاتها ونواحيها، وما نتج عنها مما يمكن تسميته تجاوزاً أو مؤقتاً ب(الماركسية السوفيتية) وهي ماركسية بائسة ورثة، كما كانت تجربة الأحزاب الشيوعية العربية فقيرة بل محدودة وبائسة في المجال النظري والنقدي، إلاّ في حالات نادرة وفردية ومتباعدة، جاءت من داخلها ومن خارجها، والتجربة هنا صدى باهت للماركسية السوفيتية المتخلفة، كانت تستلم تعليمات وأوامر (نظرية وسياسية) جاهزة من المركز السوفيتي، البعيد بل الغريب عن الواقع العربي وشروطه ومتطلباته!
وكانت النتائج مروّعة في أغلب المراحل والتجارب والنهايات التي وصلت إليها حركتنا الشيوعية العربية، على الرغم من وجود محاولات نقدية جريئة ومؤثرة، على قلتها، قام بها سليم خياطة والياس مرقص وغيرهما للخروج على النمطية الرسمية التقليدية.
وعن بداية ابتذال وتحنيط الماركسية، فقد جرت المحاولات الأولى أيام ماركس وبوجوده، وقد قال عنها أنه ليس بماركسي (بهذا المعنى)، وتعرضت قضية الاجتهاد والتطوير الحيوية والضرورية للماركسية إلى تعثر ربما يصل الى درجة التوقف ولم تجر الاستفادة من إمكانيات الدول والأنظمة التي أعلنت تبنيها للماركسية، ولم تنشأ المراكز الأكاديمية والبحثية الرصينة، لدراسة القضايا الحياتية والعلمية المعاصرة، وتآكلت تدريجياً المدارس التي تصدت لهذه المهمة الصعبة، بسبب البيروقراطية والترهل وحتى الفساد الإداري والتساهل والإهمال المقصود وغير المقصود
2018-05-22