مأساة ٨ شباط ١٩٦٣ : الدعوة الى الوحدة الاندماجية الفورية. الدكتورة : بتول قاسم. لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم معارضا للوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ولم يكن الضباط الأحرار كذلك. وتؤكد الدراسات التاريخية أن السعي الى هذه الوحدة من المبادىء التي عمل عليها الضباط الأحرار وهم يهيؤون لثورة الرابع عشر من تموز، ولكن هذه الدراسات تؤكد أنهم لم ينصوا على ” الوحدة الفورية الاندماجية ” انما بينوا أنهم لا يلجؤون الى الوحدة الفورية الا اذا كان هنالك تهديد خارجي للبلاد. وتذكر المصادر التاريخية أن الزعيم عبد الكريم قاسم اتصل في العام ١٩٥٦ عندما كان في الأردن على رأس اللواء التاسع عشر بعبد الحميد السراج وأبلغه رفضه لسياسات النظام الملكي ضد سوريا وأنه وجميع ضباط الجيش العراقي يمتنعون عن القيام بأي عمل ضد سوريا وطلب منه أبلاغ الرئيس جمال عبد الناصر بأن هنالك حركة للضباط الأحرار في الجيش العراقي سوف تأخذ على عاتقها الاطاحة بالنظام الملكي، وأرسل في العام ١٩٥٧ عندما أصبح رئيسا للجنة العليا للضباط الأحرار حسين جميل الى مصر ليخبر عبد الناصر بالثورة المقبلة ويطلب تأييده وتأييد الاتحاد السوفييتي لها. ان مشاعر الزعيم عبد الكريم قاسم كانت ودية تجاه الرئيس عبد الناصر وكان الشعب العراقي بكل اتجاهاته الوطنية ينظر اليه بأنه أيقونة الثورة والنضال ضد الاستعمار. وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر في العام ١٩٥٦ قام الشعب بتظاهرات واسعة وتلقى من النظام الملكي بسببها قمعا وارهابا وتنكيلا. وعند قيام ثورة الرابع عشر من تموز وبعد ثلاث ساعات من قيامها أرسل مجلس السيادة برقية الى الجمهورية العربية المتحدة يعترف فيها بقيامها وبعد ثلاث ساعات أرسلت الجمهورية العربية المتحدة برقية تعترف فيها بالنظام الجمهوري الجديد في العراق. وبعد مرور أيام قلائل على نجاح الثورة أخذ عبد السلام عارف يعمد الى التمرد عليها منتشيا بالنصر الذي تحقق، ظنا منه بأنه تحقق على يديه، فأخذ يجوب محافظات العراق ويخطب في الناس مشيدا بدوره في نجاح الثورة ويكيل المديح لجمال عبد الناصر دون الاشارة الى الزعيم عبد الكريم قاسم، ويدعو بأصرار الى الوحدة الفورية الاندماجية. وكان ذلك يغيظ الزعيم ولكنه يغض النظر عن ذلك الى أن وقعت بين يديه برقية أرسلها عبد السلام في ١٨ تموز بعد أيام قلائل من الثورة الى السفارة المصرية في بغداد يبين لهم أنه سوف يزور مصر ويعمل على أعلان الوحدة الفورية معها واذا وقف عبد الكريم قاسم في وجه هذا الأمر فأنه سوف يتخلص منه فضلا عن معلومات أخرى مريبة تتضمنها البرقية تفصح عن محاولة انقلابية ينوي القيام بها ويبدو أنها تلقى قبولا من الرئيس المصري. وقد قطعت هذه البرقية جسور الاتصال بين الزعيم وعبد السلام، ثم جاءت محاولته لاغتيال الزعيم لتنتهي به الى المحاكمة وعزله عن مناصبه. لقد شق تصرف عبد السلام وحدة الصف الوطني فانقسم الضباط الأحرار ومن ورائهم الشعب الى مؤيد له ومؤيد للزعيم الذي بقي مؤيدا للوحدة ولم يتنكر لمبادئه السابقة ولكنه كان يسعى في البدء الى تضامن أخوي وسياسة تقارب تضع مشروع الوحدة هدفا لها. وكان يرى في ” الوحدة الاندماجية والفورية ” أمرا غير ممكن ولا واقعي وهو يعبر عن فورة عاطفية غير ناضجة. وكان الحزب الشيوعي يقره في هذه الرؤية وكذلك الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة كامل الجادرجي الذي سافر في نهاية ايلول ١٩٥٨ الى مصر ليطلب مساعدة عبد الناصر في عدم دعم دعاة الوحدة الفورية لأنها شقت وحدة البلاد وان الثورة مهددة، ولكن عبد الناصر لم يستجب للطلب وقال له ان العراقيين أحرار فيما يختارونه. ويبدو من موقف عبد الناصر أنه اتخذ قراره بدعم هذا الانشقاق وأنه يقف وراء موقف عبد السلام الذي أظهرت تصرفاته أنه ضعيف ومتهافت ومنقاد تماما الى زعامة عبد الناصر. أما عبد الكريم قاسم فقد اتضح للزعامة المصرية بأنه ذو شخصية قوية مستقلة ولا يمكن لعبد الناصر أن يضعه في جيبه. وقد كانت نزعة عبد الناصر الشخصية الى التسيد وزعامة العرب تدفعه الى اختيار عبد السلام فقد كان يرغب في أن يكون قادة دول الوحدة التي يسعى اليها بمنزلة الولاة لديه وأن يتصرف بمقدرات دولهم كما يشاء. ولقد رفع الحزب الشيوعي شعار ( اتحاد فدرالي، صداقة سوفييتية ) مؤيدا موقف الزعيم ضد شعار الوحدة الاندماجية. وقد أصدر الحزب بيانا يبين فيه رأيه في الوحدة في ٣ أيلول ١٩٥٨ ومما جاء فيه : ١- ان الاتحاد الفدرالي هو خير خطوة يعمل من اجلها العراق في كفاحه القومي نحو الوحدة العربية الشاملة، وقد أكدت هذه الدراسة الموضوعية النزيهة لواقع الشعب العراقي والأمة العربية. ٢- شعور جماهير الشعب العراقي بالقلق على حقوقها الديمقراطية عندما تسمع بالوحدة الاندماجية بسبب انعدام حرية التنظيم الحزبي والاجتماعي وحرية ابداء الرأي في الجمهورية العربية المتحدة. ٣- قلق الشعب الكردي على مصير حقوقه القومية في وحدة صفتها عربية. ٤- قلق الجيش العراقي وضباطه المغاوير من الأسلوب الذي تم به توحيد الجيشين السوري والمصري. ٥ – ان هذا الشكل من الوحدة لن يوفر شروطا عادلة للتعاون الاقتصادي بين البلدين نظرا لاختلاف درجة تطور كل منهما، فهناك حاجة ملحة في العراق لتطوير الاقتصاد والرأسمال الوطني والنهوض بواقع الخدمات ينبغي تأمينها لسائر جماهير الشعب العراقي. ٦ – ويخلص البيان الى ان هذه الخطوة لا تجذب مشاعر الشعوب اليها ولا مصلحة كبرى فيها في حين أن العمل على أساس الاتحاد الفدرالي لا يحمل معه أي نتائج سلبية. وهكذا اختلفت الأحزاب والقوى الوطنية حول مشروع الوحدة الفورية الاندماجية الذي دعا اليه عبد السلام عارف ووافقته عليه الأحزاب القومية : حزب البعث العربي وحزب الاستقلال، وأصبحت هذه الأحزاب تسعى ضد جمهورية تموز والى السيطرة على الحكم. واحتقن الصراع وجر الى المواجهات بين صفوف الشعب ثم الى المؤامرات والانقلابات التي أطاح آخرها في ٨ شباط بثورة الرابع عشر من تموز، والذي حدث بعد هذا الانقلاب الأسود. أن المتآمرين لم يتقدموا خطوة نحوة وحدتهم الاندماجية الفورية ولا الى أي شكل اخر للوحدة، واتضح أنها مجرد ذريعة للوصول الى السلطة والاستئثار بالمناصب والمكاسب والتنكيل بالأحرار والوطنيين، كما ان الوحدة الأصلية التي قامت بين مصر وسوريا وانتجت الجمهورية العربية المتحدة كانت قد منيت بالفشل وانتهت في ١٩٦١ بانقلاب عسكري ضدها قام في سوريا. وعندما تكتب الدراسات عن أسباب فشل الوحدة بين سوريا ومصر فأننا نتذكر الأسباب التي أوردها الحزب الشيوعي لرفضه الوحدة الاندماجية في بيانه في ٣ أيلول ١٩٥٨، فهذه الدراسات تبين أن توجه السوريين الى مصر وطلبهم الوحدة معها كان موقفا ارتجاليا فرضته عليهم ظروف تلك المرحلة المتمثلة بقيام حلف بغداد واصرار عبد الناصر على الوحدة الاندماجية الكاملة ليضمن لمصر السيطرة الكاملة وهذا ما أحس به السوريون وتذمروا منه ونظروا الى الوحدة بأنها كارثة عليهم لأنهم اعتادوا الحياة الديمقراطية بعد الاستقلال ولكن الوحدة اطلقت يد اجهزة الأمن في الحياة العامة بشكل لم يسبق له مثيل مما أشاع الذعر والتذمر من الوحدة لاسيما بعد الخلاف الذي نشب بين عبد الحميد السراج والمشير عبد الحكيم عامر. وقد كانت سوريا تتمتع بحياة سياسية غنية بعشرات الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها وبالصحف التي تعبر عن رأي هذه الاحزاب التي وصل عددها قبل اعلان الوحدة الى أكثر من مئة صحيفة. لقد سعى عبد الناصر الى تطبيق سياسته بحل الأحزاب السياسية وابعاد كوادرها. وكانت الأمور العسكرية تدار بطريقة تعسفية فيها الكثير من تهميش الضباط السوريين وعدم الوثوق بهم مما أثار نقمة الجيش السوري وبدأت الحساسيات تظهر بين الضباط السوريين والقيادات التي صار المصريون يسيطرون عليها. لقد وجد السوريون أنهم ينظر اليهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وقد سيطرت القاهرة على مفاصل الدولة السورية وعدت القاهرة عاصمة الجمهورية المتحدة ودمج مجلسا النواب في مجلس الأمة في القاهرة. وعملت حكومة الوحدة على تأميم البنوك الخاصة في سوريا والمؤسسات الصناعية الكبرى مما أدى الى تدمير البنية الاقتصادية لسوريا. وكانت أراضي السوريين ومعاملهم وتجارتهم ملكيات خاصة بهم ففرض عبد الناصر التأميم على المصانع والأراضي والبنوك مما أثار غضب الصناعيين والتجار في سوريا وتراجعت الأنشطة التجارية والصناعية بشكل كبير في الوقت نفسه لم توزع أملاك وأراضي الدولة على الفلاحين، وبدأت دمشق شيئا فشيئا تفقد دورها السياسي والثقافي والتجاري بسبب الممارسات التعسفية التي اتخذتها حكومة الوحدة وعبد الناصر. كما نشأت هجرة للعمالة المصرية نحو سوريا مما أحدث خللا في توازن قوى العمل. وفضلا عن هذه الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت هنالك أسباب تدعو للانفصال منها الفاصل الجغرافي بين البلدين وكذلك عامل عدد السكان الذي يؤكد فرقا كبيرا بين البلدين. كل هذا يؤكد أن شعار الوحدة الذي رفعه القوميون والبعثيون ضد ثورة تموز وسياسة قادتها كان نفثة من الاستعمار وعبد الناصر في روح المتآمرين والخونة أذناب الأستعمار ليجعلوها ذريعة للأطاحة بثورة الرابع عشر من تموز المجيدة وقادتها الأبطال وليوقفوا عجلة التقدم والازدهار ويغرقوا البلاد بطوفان من الدماء الزكية للوطنيين الموالين للثورة وليفتحوا أبواب الخراب والدمار على الشعب والبلاد الذي استمر الى الآن.