رجال لا تصنعهم الصدفة..!!
بقلم : د. عبير حسن التميمي.
هناك رجالٌ لا تصنعهم الصدفة، بل تصنعهم المواقف.لا يولدون في القصور، بل في بيوتٍ بسيطة، جدرانها من طين وسقفها من تواضع، لكن قلوبهم تُبنى من صخرٍ لا يلين. لا يعرفون المساومة حين تناديهم المبادئ، ولا يعرفون التراجع حين يصمت الجميع.
يكدحون في صمت. يبنون أحلامهم لبنةً لبنة، ويحفرون أسماءهم في ذاكرة الأرض بعرق الجبين، لا بحبر المناصب ولا ببريق الشهرة. إذا اشتد الظلام كانوا هم السراج، وإذا غدر الخوف بالمدينة كانوا هم السور.
لا يحملون في جيوبهم ذهباً، لكنهم يحملون في صدورهم وطناً كاملاً. يمشون في الحياة كأنهم يودعونها كل يوم، يبتسمون في وجه العاصفة، ويوصون أبناءهم بجملة واحدة: “كونوا رجالاً إذا غبنا”.
هؤلاء هم الذين يترجلون في اللحظة التي يهرب فيها غيرهم، ويتقدمون حين يقول المنطق: تراجع.
يموت الجسد، لكن الفكرة التي عاشوا لأجلها تبقى. يُدفنون في التراب، لكن ذكراهم تظل تحرس المدن والأوطان التي أحبوها، والمعتقدات التي قدسوها. يكبر الصغار وهم يحملون أسماءهم، لا إرثاً من مال، بل إرثاً من شرفٍ وكرامةٍ وعزةٍ وفخرٍ وشجاعةٍ ومروءة.
هؤلاء هم الرجال الذين لا يموتون.
هؤلاء هم الخالدون.
هؤلاء هم مصدر شعورنا بالأمان والطمأنينة، لأنهم اختاروا أن يعيشوا مرة واحدة، لكن بشرف ألف حياة.
هؤلاء هم الأحرار، الأبطال، الشجعان، الأحياء.
أما الشهداء منهم، فهم لم يمسهم الموت، بل ألقوا ثقل الأرض عن كواهلهم، ليطيروا كفكرةٍ لا يقبض عليها قيد، ولا يحدها أفق. لقد حوّلوا رصاص الغدر إلى سلمٍ من ضياء، وصعدوا… ليقيموا في ذاكرة السماء أبداً، تاركين لنا دماءهم وصيةً حية، تُرشد التائهين حين يغشى الأرض دخان الباطل.
وكي لا ننسى، إن الوطن يتكئ على أرواح الشهداء. لولا تضحياتهم لما عرفنا أين تكمن مواطن السعادة الحقيقية.
روضاتهم تحكي، فمن يُصغي إلى أحاديثهم؟
ما أعلى مقامهم!
وما أعز شأنهم!
وما أبهى طلتهم!
عاهدت نفسي أمام الله أن أكتب لهم، وأن أساندهم، وأقف معهم، وأدافع عنهم، وأخلدهم ما حييت.

2026-10-14