ثقافة الإبادة.. بمناسبة كولومبوس!
مهدى مصطفى
متلازمة مرضية أصابت الغرب الأبيض، وراحت تترك آثارها العميقة من عصر إلى عصر، بدأت مع الهجمة الاستعمارية الحديثة، ومع وصول المغامر الإيطالى كريستوفر كولومبوس، الذى أبحر لحساب إسبانيا، إلى جزر الكاريبى فى مثل هذه الأيام قبل 534 سنة، فقد وصل إلى إحدى جزر الباهاما فى 12 أكتوبر 1492، وتحتفل أمريكا بيوم كولومبوس فى الاثنين الثانى من أكتوبر من كل عام.
ما الذى جرى بعد ذلك الوصول الفادح؟
تعرض السكان الأصليون للقتل والاستعباد، وصودرت أراضيهم، وانتشرت بينهم أمراض الجدرى، فقتلت أعدادا هائلة، وفرض المستعمرون الأوروبيون عقائدهم على الناجين منهم.
وفى هذه الأيام، تتذكر «أمة نافاهو» الأصلية تلك الفاجعة المستمرة، وتكشف عن الظلم التاريخى الذى عانته الشعوب الأصلية على أيدى المستعمرين الأوروبيين، وبينما يحتفل الأمريكيون بيوم وصول كولومبوس، يحيى السكان الأصليون ذكرى شعوبهم وتاريخهم، ويطالبون بالاعتراف بما تعرض له أسلافهم من قتل واستعباد ومصادرة للأرض.
وفى سياق الاعتراف بهذه المظالم التاريخية، كان جو بايدن أول رئيس أمريكى يصدر إعلانا رئاسيا رسميا بمناسبة يوم الشعوب الأصلية، وذلك فى عام 2021، اعترافا بتاريخ هذه الشعوب والمظالم التى تعرضت لها، لكن الرئيس الحالى دونالد ترامب أعاد الاحتفال بيوم كولومبوس وحده.
تضم «أمة نافاهو» آلاف المواطنين، وتمتد أراضيها عبر ثلاث ولايات: أريزونا ونيو مكسيكو ويوتا، وتطالب بالحفاظ على هويتها وثقافتها وحقوقها فى الأرض والحكم الذاتى وتقرير المصير، ومن يعلم، لعل هذه المطالب تصبح، ذات يوم، بداية لانقلاب تاريخي، وانفصال، وتحرر، وانعتاق من قبضة الرجل المستعمر الغشوم.
هذا المستعمر الأبيض، كان ولا يزال، يرث عن أسلافه ثقافة الإبادة، ويجعلها جزءا من ميراثه، ولعل بعض الناس قد قرأ رواية “قلب الظلام” للروائى البريطانى جوزيف كونراد، وقد كشف فيها جانبا من جوهر هذا العقل الاستعماري، الذى يرى فى إخضاع الآخر واستغلاله مبررا باسم الحضارة.
ومن هذا التاريخ الاستعمارى الذى بدأ بالغزو، واستعباد الشعوب، ومصادرة أراضيها، وفرض إرادة المستعمر عليها باسم الحضارة، ننتقل إلى الشرق الأوسط، حيث تتجلى ثقافة الإبادة فى أبشع صورها المعاصرة، فى فلسطين، تلك التى تواجه القتل والتدمير والتهجير، فيما تتواصل الحروب فى المنطقة، وتتسع محاولات تدميرها بحضاراتها وميراثها وعقائدها، كأن شعوبها بقايا شعوب أصلية، لا حق لها فى الأرض والحياة وتقرير المصير، وهنا يلتقى إرث الاستعمار الأوروبى بالمشروع الصهيونى المرتبط باسم تيودور هرتزل، فى فكرة تمنح القوة حق إخضاع الآخر، وتبرر احتلال أرضه وإبادة أهله باسم السماء، وتضع أفتك الأسلحة فى خدمة هذا الهدف.
عندما غامر كولومبوس ورفاقه فى رحلة الجنون تلك، كانوا يجسدون فلسفة ورثتها أوروبا من حروبها الداخلية، ومن الإغارة على الشعوب، وقتلها بلا رحمة، فالسلاح الذى كان فى أيدى كولومبوس ورفاقه لم يكن هو نفسه الذى امتلكته الشعوب الأصلية، كما أن الخوف والرعب اللذين أصابا هذه الشعوب أسهما فى استسلام بعضها للغزاة، فيما قاومتهم جماعات أخرى مقاومة غير متكافئة.
أغرى نجاح الغزو والإبادة المستعمرين الأوروبيين بتكرار التجربة فى مناطق أخرى من العالم، فامتدت هجماتهم الاستعمارية إلى أستراليا ونيوزيلندا وإفريقيا، وصولا إلى الأراضى العربية، وفى كل مرة، يبتكر المستعمرون تقاليد ومبررات خرافية.
ويأتى فوز الجنوب إفريقية، القاضية نافى بيلاى، بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، كاشفا عن أهمية العدالة الدولية، وضرورة محاسبة مرتكبى الجرائم الجسيمة، ويمكن القول إن هذه الفائزة هى النقطة البيضاء الوحيدة فى تاريخ جوائز نوبل للسلام، ولعلها تجعل ضمير العالم يصحو قليلا، ويتم الاعتراف بأن هذه الثقافة لا بد أن يحاسب المستعمر عليها، وأن يعترف بجرائمه، ويترك شعوب العالم وشأنها، سواء أكانت أصلية أم تشكلت فى مراحل تاريخية لاحقة، فليس من المعقول أن يجرى التهديد بالإبادة من دون ملاحقة المسئولين عن الجرائم.
وسط هذا الظلام التاريخى، ألمح نقطة بيضاء، وهى أن الشعوب بدأت تستيقظ، وأن نهاية المشروع الذى ارتبط باسم هرتزل تقترب، وأن هذه الحروب الدائرة فى أكثر من بقعة فى العالم قد تصل إلى نهايتها.
رغم أن كثيرا من المتشائمين يرون أنه يمكن أن تقع حرب عالمية ثالثة مهلكة، فتنتهى معها الحضارة الإنسانية، فإننى أقول: إن ورثة ثقافة الإبادة هم أول من سيغادرون مسرح التاريخ من أضيق أبوابه، مع وقوع تلك الحرب.
2026-10-14