لماذا يحرقون القرآن – 3!

د. عمر ظاهر
لم يعد حرق القرآن مقتصرا على الدنماركي المتخلف عقليا راسموس بالودان. خرج علينا الآن عراقي، وآخر مصري ليفعلا الشيء المشين ذاته. هل هي حمى الربع؟ هل هي موضة؟ هل هي تجارة رابحة؟ أم ماذا؟
نحن بحاجة إلى التعلم من فلاديمير بوتين
فلاديمير بوتين يذكرنا بفلاديمير لينين. إنه يستحق أشد الإعجاب رغم أنه ليس زعيما أمميا مثلما كان لينين، بل هو قائد روسي قومي. والقومي بالنسبة إلى العرب يستحق الاحترام فقط لأننا نفتقد قائدا قوميا عربيا يضع مصالح العرب فوق كل شيء. إن انتصار بوتين في محاربة الغرب لن يكون إلا انتصارا لروسيا، وليس بالضرورة انتصارا للعرب أيضا إلا إذا تمكن العرب من استغلال فرصة انهيار الامبريالية الأمريكية لبناء نظام خاص بهم مستقل عن روسيا وعن الصين أيضا. وهذا أمر ليس هناك ما يدعونا إلى التفاؤل به.
لماذا، أيضا، الإعجاب ببوتين؟ لأنه مقاتل حقيقي من أجل قضيته، وهو قائد تاريخي فذ، وأكثر أهمية حتى من لينين. لنعطي مثلا، فمنذ أن بدأت البلدان الرأسمالية تُحل “صراع الحضارات” محل “الصراع الطبقي” لم نجد ولا قائدا واحدا في العالم لا يرتجف فيتوسل إلى الأمريكيين داعيا إلى “الحوار” بدل الصراع.
عندما تريد أمريكا الصراع فإنها تحتقر وتزدري من يدعو إلى الحوار، فيكون التواصل بين الطرفين مثل التواصل بين الذئب والخروف. القوي يريد الصراع، والضعيف يريد الحوار!
أول قائد في العالم قال لأمريكا وبريطانيا وبملء فمه “نعم هناك صراع حضاري بيننا” هو فلاديمير بوتين. لقد أخذ العبارة من أفواههم، وراح يثبتها معلنا تفوقه الحضاري. أن تقول لمن يريد الصراع أنك أيضا تريد الصراع فإنك تقلب التواصل بينكما إلى تواصل الذئب مع الذئب، بدلا من رغبة الخروف في الحوار مع ذئب لئيم. بوتين ذئب عنيد أمام من يتوق إلى افتراس الخراف!
إننا نرى أن بوتين يبرز المثلية الجنسية، مثلا، كفارق حضاري بين الشرق بزعامة روسيا وبين الغرب بزعامة الأنجلو- ساكسون، ويُبرز القيم الدينية الروحية التي يرى بوتين أن الشرق ينعم بها كمؤشر على التفوق على المجتمعات الرأسمالية الغربية لانهيار قيمها. إن بوتين، على عكس الآخرين، لا يعاني من عقدة نقص، فما لديه يراه مدعاة للفخر حتى إذا ازدراه الآخرون. إنه يركز على العائلة كفارق حضاري بين من يدعمها، أي العائلة – وهو يقصد الشرق، وبين من يدمرها. إن بوتين يعترف بالصراع الحضاري، ويصر على تفوق الشرق المتدين على الغرب المتحلل من القيم الدينية. لسنا بحاجة إلى أن نكون متفقين معه، لكن الخصم الذي يرد لخصمه الصاع صاعين يستحق الإعجاب.
من يرسم صورة هذه الفوارق في إطار سياسي، يستحق الإعجاب، فهو يقول لخصمه: “إياك أن تزعم بوجود الصراع أنك أفضل مني حضاريا، بل العكس فأنا أرقى منك حضارة، وثقافة، وأنقى اجتماعيا”. هكذا السياسة وإلا فلا. بوتين يشرع قوانين تمنع التحول الجنسي، وتجرم المثلية الجنسية. إنه يشن الحرب ليس فقط عسكريا، بل وثقافيا أيضا. بوتين قائد لا يترك لخصمه سعة في المجال كي يتوهم بتفوقه. إنه ند عنيد. إنه ذئب مقابل ذئب.
وبطبيعة الحال، فإننا لو دخلنا في تفاصيل هذه الفوارق، سنكتفي بالإعجاب بالقدرة على رد الصاع صاعين، فمثلما يكذب الغرب في تفوقه بادعاء أمور كثيرة، مثل حقوق الإنسان، وحرية التعبير، والرفاهية، يبالغ بوتين ويكذب معه المسلمون في ادعائهم انهيار العائلة في الغرب بالارتباط مع دعم المثلية الجنسية. على أرض الواقع لا فضل في مجال الجنس للشرق على الغرب، ولا لروسيا على أمريكا، فهناك فضائع في مجال التوحش االجنسي في كلا العالمين الروسي والإسلامي لا تقل عن المثلية الجنسية في الغرب، ومنها الاعتداء على الأطفال، وزواج الإكراه، والاستغلال الجنسي بسبب الفقر، والاغتصاب، وكل هذه تمر في البلدان المسلمة دون عقاب وذلك لغياب الدولة ومؤسساتها. إضافة إلى انتشار المثلية الجنسية رغم أنف بوتين، ورغم صراخ الشيوخ والمعممين.
ربما يكون من القيم الحضارية فعلا احترام الأقليات المجتمعية، بمن في ذلك المثليين الجنسيين. لكن حيث أن الغرب الرأسمالي يحاول إبراز المثلية الجنسية وكأنها قضية الكون كله، أو على الأقل إبرازها كبديل عن الصراع الطبقي، ووسيلة لتحقير شعوب الشرق باعتبارها غير متحضرة لأنها ترفض الإقرار بالمثلية الجنسية، فإن اتخاذ بوتين هذا الجانب كفارق حضاري لصالح الشرق مشروع أيضا، خاصة أن بوتين لا يقتصر في صراعه ضد الأنجلو- ساكسون على هذا الجانب فقط، بل هو في صراع شامل معهم، وعلى كل الصعد.
لماذا يحرقون هم القرآن؟
الأمر متعلق بصراع الحضارات، فالحضارة التي يريدها من يدعو إلى الحق، والخير، والعدل غير الحضارة التي تنبني على جماجم الشعوب بدءًا من الهنود الحمر، مرورا بكوريا، وكوبا، والفيتنام، وفلسطين، والعراق، وليبيا، وصولا إلى التربح من الحرب في أوكرانيا حتى مقتل آخر أوكراني!
الأمر متعلق بدخول الرأسمالية المرحلة الأخيرة في عمرها. إنهم يريدون خلط الأوراق، ونشر الفوضى، وتأجيج الحروب الدينية، وهم يرتجفون في بحثهم عمن سيحل محلهم في قيادة العالم على أمل قتله.
إن حرق الكتب والفكر فارق كبير بين الحضارات، فهؤلاء الذين يسمحون به لا يشعرون بأنهم يعبّرون عن إفلاسهم، ويحثون الخطى في التقهقر إلى وراء. إنهم يعودون إلى فترة محاكم التفتيش في تاريخهم. إن حرق الكتب لا يمكن أن يكون دليلا على الرقي، وعلى حرية التعبير إلا بقدر ما كان حرق هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية دليل التفوق .. في أي شيء؟ في الهمجية.
أنتهت
2023-07-12