لماذا انسحب مقتدى؟
الجزء الأول من جزئين
صائب خليل
أقول مقدما انها “تحليلات” لما يتوفر من معلومات معروفة وليس عندي اية معلومات سرية وصلتني بشكل شخصي. انها محاولة لربط الأشياء ببعضها، ومصداق هذا الربط وكل من تفاصيله سيحكمه المستقبل القريب.
لكن لماذا التحليل لأي تصرف؟ ومتى نحتاجه؟ نحن نحتاج الى تحليل أي تصرف والبحث وراء الكواليس عن تفسير له، فقط عندما تبدو الأسباب والتفسيرات المعلنة له غير مقنعة. ونستطيع بسهولة ان نرى أن الأسباب التي قدمها مقتدى لانسحابه من العملية السياسية برمتها، كانت غير مقنعة، فهي تناقض الواقع، وتكشف أن هناك ما يخفى، ولا يريد او لا يستطيع البوح به.
لا بد من التحذير المسبق اننا لا يجب ان نعتمد لتفسير كل تصرف غريب، انه يعود الى “الغباء”، وإلا نكون قد وقعنا في فخ يعمينا عن اكتشاف الحقائق الدفينة التي تكشفها التصرفات “الغريبة”. وفي تصوري ان تثبيت صفة الغباء والتقلب على مقتدى كان مقصودا إعلاميا لهذا الغرض، حتى لو كان الرجل فعلا له حظ محدود من الذكاء. لذلك علينا ان نفكر بالاحتمالات الأخرى حتى لا يبقى أي احتمال سوى الغباء، قبل تبني الفرضية لتفسير التصرف.
تفاجأ الناس أن مقتدى ترك فجأة مشروعه الإصلاحي الذي طبل له كثيرا، دون مقدمات. والغريب أن مقتدى لم يكن يعاني انسدادا في مشروعه ليدفعه اليأس الى الانسحاب! فرغم انه لم يكن في البلد حكومة، فقد تمت الموافقة فورا على مشروعي قانونين خطيرين للغاية، قدمهما مقتدى، واحتفل بهما خصومه كأنهما انجازين ايجابيين.
وبدلا من ان يستثمر مقتدى هذا النصر الكبير، ويستفيد من تشظي التأييد الشعبي لخصومه، خاصة بعد تصويتهم لصالح القانونين من جهة، وتلاحم اتباعه وسعادتهم بانتصارهم، ويحتفل بأول انتصارات مشروعه “الإصلاحي” كما يقول، ويكسب المزيد من الثقة والدعم، نراه ينسحب “زعلانا” متذمراً، وكأن اعداءه نجحوا في إفشال مشروعه واصابه اليأس، فتحول بإرادته وبشكل غريب، إلى صورة مهزوم، وليس منتصر!!
لتفسير انسحابه دخل مقتدى في دور مسرحي، ادعى فيه انه “عاهد ربه” بترك العملية السياسية لوجود “الفاسدين”، وانه لن يعود إلا اذا خلا العراق منهم. وهذا منطق مقلوب. فالمفروض ان الفساد هو ما يستدعي الإصلاح، فمن سيحتاج الإصلاح اذا خلا البلد من الفاسدين؟ هل يأتي المصلحون الى بلد صالح ليصلحوه، ام يكثر فيه الفساد لينقذوه منه؟ هل يعقل أن يعاهد مصلح ربه، ان لا يتحرش بالفاسدين ماداموا في بلده؟
ويبدو ان هذه التناقضات وهذه الخيبة للأمل بين اتباعه، قد اثارت لديهم التساؤل وبعض الامتعاض، رغم انهم اكثر من يباهي بالثقة به وبطاعتهم العمياء له. ولذلك شعر من يدير الكتلة الصدرية (سنعود لذلك لاحقا في المقالة) أن عليهم تقديم تفسير لتهدئتهم.
وبالفعل نشر عنصر ارتباط مقتدى الصدر بأتباعه، حسن العذاري، (في 16 حزيران 2022) منشورا على صفحته في الفيسبوك، استعان فيه بمثال النبي موسى والخضر ليصل في النهاية إلى “وهذا يدل على إن ادراك الحكمة من أفعال الصالحين ليس بالأمر الهين” ويطلب من الأتباع في حالة شكوكهم (في تصرفات مقتدى)، ان يبقوا “مؤمنين” حتى يأتي الوقت الذي يدركون فيه حكمته، ولسان حاله يقول “أننا لا ندرك حكمة مقتدى لأنها اعمق منا”!
وهنا يجب ان نقف عند بضع ملاحظات حول رد العذاري:
1- أنه اعتراف ضمني ان تصرفات مقتدى غير مفهومة.
2- هو اعتراف ضمني أن الإحساس بالخلل والاستغراب لم يشمل النواب الصدريين فقط، بل شمل جمهور مقتدى، وهو ما اوجب نشر مثل هذا المنشور في وسائل التواصل.
3- هو تناقض مباشر وسافر لإمام المذهب الشيعي الإمام علي في اهم واشهر مقولاته: لا يعرف الحق بالرجال. لأنك حينما تقر مسبقا أن أي خطأ تجده في تصرفات مقتدى بأنه لقصور في فهمك له، فإنما تقر ضمناً ان مقتدى دائما على حق. أي ان “تعرف الحق بمقتدى”. وهنا يجب على اتباع مقتدى ان يحددوا موقفهم بين قول الإمام علي ودعوة العذاري لهم بـ “الإيمان” ان مقتدى على حق دائما، وأن الإمام علي قد اخطأ في أشهر مقولة له!
ماذا إذن عن قصة الخضر؟