ان ازمة الانسداد السياسي المعاش في العراق لم تولد من رحم الحقل السياسي الحالي فحسب ، بل نشأت منذ عقود في رحم الحقل المجتمعي العراقي (السياسي – الاجتماعي – الاقتصادي – الثقافي) الذي لم يسمح بالتعددية السياسية ولا يقبل بمعارضة قوية ولم يتعود على الانتقال السلمي للسلطة.
ان المنظومة المجتمعية للعراق تمثل ، تاريخيا، رحم مشوه لولادة دولة عصرية متعافية وهنا ولهذا السبب تغيب الشروط الموضوعية لبناء دولة حقيقية الامر الذي يتطلب توفر شرط وضعي لتغيير واصلاح من الاعلى عبر نظام سياسي ينشغل اول ما ينشغل بإيقاف التدهور قبل ان يخدعنا بالازدهار والتطور.
لقد حصر اهل مهنة وعلم السياسة ازمة النظام السياسي الفاشل اينما كان بازمة الهوية بمعنى التشرذم الفكري الثقافي عن التكامل الوطني، وازمة التغلغل بمعنى قصور الدولة عن فرض سيطرتها المادية وعن تطبيق قوانينها في مختلف انحائها، وازمة المشاركة بمعنى عدم انخراط قطاعات عريضة من المواطنين بالاسهام في عملية صنع القرار لعجز في المؤسسات ولعدم فعاليتها، وأزمة التوزيع بمعنى انتفاء العدالة في توزيع منافع النمو بعدالة بين المواطنين او بين الاقاليم ، وهناك اخيراً ازمة الشرعية التي تتأتى كمحصلة لمختلف الازمات السابقة وتُعبر عن رفض المواطنين للانصياع الطوعي لأوامر سلطة النظام السياسي مما يجعلها حالة مواجهة مستمرة مع الشعب .
ان معالجة الإنسداد السياسي يعتمد على نظام سياسي قادر على الخروج من دائرة التنجيم والكهانة والشعبوية والمكوناتية .. نظام سياسي متمكن بنقل مستقبل ازمة الإنسداد السياسي من البحث في الحقل السياسي فقط الى الحقل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ودون ذلك فان عدم تطبيق النصوص الدستورية باق ، وضعف الجهاز الاداري للدولة في انجاز الخطط التي تحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية باق .. وتصاعد اعمال العنف والفساد وعدم الاستقرار باق .. وعدم الخروج من دائرة التوجهات التقليدية، وان ظهرت بعض الانصياعات لاستحقاقات العصرنة ، التي تحاول بعض الجهات والقوى الخارجية تعميمها باقية وهذا يعني استمرار تحكم المظاهر التقليدية العصبوية والفئوية الطائفية والعشائرية وذلك لايولد سوى نظام سياسي فئوي متسلط تكون السلطة فيه موضع احتكار بيد فئات اجتماعية ونخب سياسية ضيقة الافق واسعة المطامع.
ان النظام السياسي على الرغم من تلويحه بشعار التعددية فانه يقوم في جوهره على تقنية قوامها حاكم واحد متسلط على قوميته او مذهبه او عشيرته او حتى على زقاقه.
العراق وهو من احد أغنى عشرة دول في العالم من حيث الثروات الطبيعية دون عوائد المطارات والمنافذ الحدودية كيما يكون دولة حقيقية سياسياً واقتصادياً وعسكريا وليس بقع جغرافية غنية بالموارد وعلى رأس كل بقعة تجثم جماعة متنفذة تمتص اموال هذه البقعة باتفاق وبتهديد او بابتزاز .. كيما يكون دولة حقيقية عليه ان يتجاوز إنسداداته السياسية وغير السياسية التاريخية والمعاشة بنظام سياسي يتجنب تدوير الثلة السياسية التي تتحكم به وصنعت كل إنسداداته.
بإختصار شديد ان الإنسداد السياسي هو اجود ما تنتجه مصانع الجهل السياسي المنتشرة بكثرة في بلادي.