#جيوسياسية/ لعبة بوتين: عندما يُسقطك باستخدام قوتك!
إدريس آيات
لم يفهم الغربيون بعد أن فلاديمير بوتين ليس فقط لاعب شطرنج فريد، بل لاعب جودو بارع أيضًا. في الجودو، لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من خصمك، بل عليك أن تستخدم قوته ضده، وهذا بالضبط ما يفعله بوتين منذ بداية الحرب. كل قرار اتخذته واشنطن وبروكسل، وكل تصعيد أقدمت عليه كييف، كان في النهاية يصب في مصلحة موسكو، التي حولت المعركة إلى اختبار استراتيجي لطول النفس، وليس مجرد مواجهة عسكرية.
▪️ترامب وبوتين: سلام يُربك الغرب
عندما طرح دونالد ترامب خطة سلام مع بوتين، سارع الغربيون إلى رفضها بغضب، كما لو أن إنهاء الحرب أصبح تهديدًا لهم أكثر من استمرارها. لكن الواقع فرض نفسه سريعًا؛ فأدركت العواصم الأوروبية أنها لا تستطيع البقاء خارج المعادلة، وعليها أن تجد مخرجًا يُحافظ على ماء وجهها. فجأة، ظهر زيلينسكي في المشهد، وكُلّف بمهمة تقديم خطة سلام أخرى، حتى يبدو وكأن أوكرانيا هي من تبادر، وليس واشنطن أو بروكسل.
في هذه الأثناء، كانت وسائل الإعلام الغربية تستعد لروايتها المكررة: بوتين هو الرافض للسلام، هو العقبة أمام إنهاء الحرب. لكن كما هو متوقع، الرجل ظهر على شاشات التلفاز مرة واحدة فقط، تحدث بوضوح ليُسمعه الجميع: “أنا موافق على السلام، ولكن بشروط طويلة الأمد، وليس مجرد هدنة مؤقتة لـ30 يومًا”.
وهكذا، وجد الغرب نفسه عالقًا في الفخ الذي نصبه بوتين ببراعة. كانوا يريدون مهلة 30 يومًا فقط، مهلة تُوقف النزيف العسكري مؤقتًا، وتسمح لهم بإجلاء 40 ألف جندي أوكراني عالقين في كورسك، حيث باتت القوات الروسية على وشك فرض حصار كامل على الجنود الأوكرانيين الذين ارتكبوا خطأ حياتهم، تحت نصائح الغرب بالتوغّل في أراضي الدبّ. لكن بوتين، كما يفعل في كل مرة، رفض الدخول في لعبة التسويات المؤقتة.
الآن، لا مفر أمام أوكرانيا والغرب: إما الدخول في مفاوضات حقيقية بشروط موسكو، أو مواجهة سيناريو أشد قسوة، حيث لن يكون هناك ممر آمن للانسحاب، بل فقط انهيار عسكري وسياسي قد يكون مقدمة لنهاية أوكرانيا كدولة موحدة.
▪️كورسيك: مصيدة بوتين الأخيرة.. وأوروبا بين الفضيحة والمجزرة
في اللحظة التي حُشرت فيها أوروبا في زاوية ضيقة، جاء طلب دونالد ترامب إلى بوتين بأن ينظر بعين الرحمة إلى 40 ألف جندي أوكراني محاصرين في مقاطعة كورسيك، محذرًا من أن رفض ذلك سيؤدي إلى مجزرة لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية
لكن بوتين، كما يفعل دائمًا، لعب الجودو السياسي بأقصى مهارته. فبدلًا من الانفعال أو التصعيد العاطفي، جاء رده باردًا وحاسمًا:
“اطّلعت على دعوة الرئيس الأميركي ترامب بالنظر إلى الجنود الأوكرانيين بعين الرحمة، وردّي هو: إذا ألقوا أسلحتهم، سنضمن حياتهم ومعاملتهم اللائقة.. أي أن استنجاد ترامب سيكون له أثر فقط إن أعطت القيادة الأوكرانية الأمر بالاستسلام.”.
معادلة بوتين: بوتين جعل أوروبا أمام خيارين كلاهما مهين:
• إما أن تُباد القوة المحاصرة بالكامل، فيتحول الأمر إلى درسٍ لن يُنسى في تاريخ أوروبا الحديثة، يعيد إلى الأذهان ذكريات ستالينغراد ولكن هذه المرة بجيش أطلسي مهزوم.
• أو أن تستسلم القوات المحاصرة، مما يعني إعلانًا رسميًا لهزيمة الناتو وأوروبا، خاصة مع التقارير التي تؤكد أن من بين المتوغلين جنودًا أوروبيين، وهي فضيحة لا تودّ العواصم الغربية أن تظهر للعلن.
والآن، بما أن الجميع يعلم أن القيادة الأوكرانية ليست هي من تتخذ القرارات الحقيقية، يبقى السؤال:
هل سيسمح القادة الأوروبيون بإنقاذ جنودهم، أم سيُلقون بهم إلى حتفهم حفاظًا على غرورهم السياسي؟.
لو أنهم قرأوا تحليلاتي.. ربما تجنبوا الكارثة! لقد توقعت هذا السيناريو منذ البداية، ومنذ الأيام الأولى للحرب كانت كل توقعاتي الجيوسياسية صحيحة. أنصح ماكرون وزبانيته بمتابعة صفحتي، لتجنب هذا أخطاء استراتيجية فادحة في المستقبل.
لكن حتى يحين ذلك الوقت… أوروبا ليست ملكة الشطرنج في هذه اللعبة، بل مجرد بيدق في يد ترامب وبوتين.. الاتفاقيات وقّعت زمانًا بين الرئيسين، وما يحدث مجرد عرض سياسي لأوروبا!
2025-03-16
