لبنان: قرار مجلس الوزراء بحصر السلاح بين تدوير الزوايا وتربيع الدائرة!
د. هاني سليمان*
لقد طرح قرار مجلس الوزراء موضوع حصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش اللبناني “مهمة وضع خطة” بهذا الخصوص، إشكالية سياسية كبيرة يعجز الواقع اللبناني المأزوم عن حلّها في الوقت الحاضر. المشكلة واقعة والحلول مستبعدة.
إن موضوع حصر السلاح بيد الدولة هو قرار كبير يستعصي على الوضع اللبناني ، خاصة بعد التطورات التي حصلت بعد حرب الإسناد لغزة وفلسطين.
ان العقل السياسي اللبناني المحافظ يعتبر نفسه محقاً في ان يرحب بما قررته السلطة ، وهو سابق لها في الدعوة الى حصر السلاح، وهذا دأبه منذ عشرات السنين، كفريق سياسي ينتمي الى منظومة تؤمن بأن قوة لبنان بضعفه .
أما العقل السياسي اللبناني المقابل، فيرى في الكيان الصهيوني استفزازاً، بل تهديداً لهوية المنطقة العربية والإسلامية ، وهو لذلك خاض حروباً ودفع أثماناً غالية ثمن معتقداته وقناعاته ، فكيف يمكن التعايش بين منطقين متصارعين بأرضية متناقضة، على أرض واحدة.
انه الاستعصاء الكياني والاستقلالي والسيادي الذي لا يمكن حلّه بإرادة منفردة، سواء على مستوى الدولة أو السلطة أو الحكومة.
الدولة بشعبها كل شعبها، والسلطة بمكونها كل مكوناتها، الحكومة بكل أعضائها دون استثناء. هذا الكلام ليس تعجيزاً في مواجهة الحلول، بقدر ما هو تسهيل لإلتقاط المناسبة والتعامل معها بحكمة وخوف من الحاضر، وتطلع الى المستقبل.
إلا الجيش
لقد جاء تكليف الحكومة للجيش “بمهمة وضع خطة” لحصر السلاح ليلقي في يد الجيش كرة النار اللاهبة، التي باعتقادي كان يمكن تفاديها لدى من تبقى من عقلاء في هذا البلد، أو هذه السلطة أو هذه الحكومة، خاصة وأن الجيش اللبناني في وضع دقيق، يجعله عاجزاً موضوعياً عن تنكب مهمة بهذا الحجم. واعتقد ان قائد الجيش العماد رودولف هيكل يدرك هذا الواقع جيداً.
هل ان طابع هذه الخطة نظري فقط، بحيث يمكن انجازها في مكاتب الدراسات الميدانية في قيادة الجيش، او ان الجيش سينزل الى الأرض، وأية أرض؟ وهل هذه الخطة هي بالتنسيق مع المقاومة أو بمعزل عنها أو بالتصادم معها؟
بالعودة الى الموقع الرسمي للجيش اللبناني، نقرأ تعريفاً لدور هذه المنصة يقول:” يهدف الموقع الرسمي للجيش اللبناني الى توطيد العلاقة بين الجيش والمواطنين والبقاء على تواصل معهم.”
في تعريف هذا الدور” توطيد العلاقة” “والبقاء على تواصل ” تكمن المهمة الحقيقية للجيش، لا تلك التي يسعى من خلالها بعض أركان السلطة والسياسة الى حرف دور جيشنا الوطني واعطائه مهمة أخرى تتناقض مع عقيدته القتالية، التي ترى في العدو الإسرائيلي عدواً حقيقياً للبنان ولرسالته ولوجوده الذي تحفظه وحدتُه الداخلية المهدَدة بالانقسام هذه الأيام ، والمهدِدة اذا انقسمت لتماسك الكيان في قابل الأيام.
وأخشى ما أخشاه ان تقوم جهة معينة (مجهولة ومعروفة) بتكرار ما قام به عناصر من الجيش اللبناني يوم أطلقت النار على المتظاهرين ضد اتفاقية أوسلو على طريق المطار سنة 1993 ، مما فتح أزمة سياسية وأمنية كبيرة آنذاك، ولولا العقلاء أمثال قائد الجيش أميل لحود ووزير الداخلية بشارة مرهج، ودورهما في تفويت الفرصة على هذه المؤامرة ، لأخذت الأمور منحىً خطيراً من الصدام بين الجيش اللبناني كمؤسسة ، وبين الأهالي ومجتمع المقاومة بكل مكوناته..
يروي الوزير السابق فؤاد بطرس في مذكراته نقلاً عن الرئيس فؤاد شهاب:
” أما السؤال الذي شغل بالي ثلاث سنوات والجواب عليه يشغلني ستة وأربعين عاماً، فكان : لماذا لم يُنزل اللواء فؤاد شهاب الجيش في العام 1958 ليضع حداً للاقتتال الداخلي وتثبيت هيبة الدولة ويوطد الاستقرار والامن؟ وقد طرحته على صاحب العلاقة سنة 1960 بعدما توثقت علاقتي به ، وكان الجواب ألماً مخزياً باح لي به الرئيس فؤاد شهاب، كمن يبوح لصديق له عن مرض عضال أصيب به إبنه ” لو أنزلتُ الجيش في ذلك الحين لمواجهة الانقسام الطائفي، لكان في استطاعتي ان أضمن وحدته سبعة أيام، اما في اليوم الثامن … فلا أعرف.”
إن السلطة للأسف تنظر الى نتائج العدوان الإسرائيلي على لبنان بعين واحدة، في حين انها تسمع للإملاءات الخارجية وبعض الداخلية بأذنين اثنتين . مهلاً، الأمور ليست كذلك، ولا زال من الوقت متسع لإعطاء احدى الأُذنين لفئة وازنة في المجتمع اللبناني، ولمن لولا تضحياتها لكان الوطن بلا هوية وإرادة وحضور.
واذا كانت السلطة ترى غير ذلك، فإن رئيس وزراء العدو يرى أوضح مما ترى ، حين يؤكد ان سلاح المقاومة لا زال حاضراً وفاعلاً بدليل أن مستوطنات الشمال لا زالت قفرا من سكانها، وهو ينادي ليل نهار بوجوب إزالة هذا السلاح.
ولهذا نرى ان رمي أوراق القوة التي في متناول لبنان على طاولة “اللاتفاوض” الداخلي هو عبث مجاني بهذه الاوراق. وتُخامر اللبنانيين شكوك بأن أوراق بعض السلطة قد سُلمت “موقعة” مسبقاً كشرط لتكوّن هذه السلطة، وفي هذا حشر لبيئة المقاومة واحراجها وزجِّها في خيارات ليست في وارد اللجوء اليها حالياً.
نقول للسلطة : استفيدوا الآن من تغيير لهجة الإدارة الأميركية. وباعتقادي أن تحُّول اللهجة الأميركية عبر الوفد الأميركي المزدوج ما كان ليكون – والاحتياط واجب – لولا ادراك الإدارة الأميركية ان لبنان لا زال يملك من أوراق القوة ما يمكنه من القول : نحن لسنا ضعفاء الى الحد الذي يجعلكم تُملون علينا قرارات تؤذي بلدنا ووحدته الداخلية.
ولا نعتقد ان رأي الإدارة الأميركية الجديد كان بمعزل عن التشاور مع قادة الكيان الذين يعرفون واقع الحال في لبنان.
اللافت في الامر حسبما أعرف، أن أركان السلطة، وأرجو أن أكون مخطئاً، لم يقدِّموا الى بيئة المقاومة اي سبب مقبول لقرارهم هذا، او أية ضمانات حتى كلامية، هذا اذا كان هناك من تواصل وحوار بين السلطة والمقاومة.
وفي حديث بيني وبين الرئيس نواف سلام حين جرى التداول باسمه لتشكيل الحكومة سنة 2019 قلت له : لا تسأل الفرقاء عما يريدون من الحكومة، وماذا يريدون من حصص، بل أسألهم عن مدى استعدادهم للتضحية من أجل الأمن والاستقرار المعيشي والنفسي.
وأضفت قائلاً : أنا اقترح عليك عنواناً للبيان الوزاري هو ” تعالوا الى كلمة سواء” ، وقلت له :” ان المرحلة تتطلب الاهتداء بسيرة الرسول (ص) حين اختلفت القبائل حول رغبة بعضها في التفرّد بوضع الحجر الأسود في الكعبة، فقال الرسول للحاضرين :” اعطوني سجادة وضَعوا الحجر الأسود عليها ، فلما فعلوا، طلب الى ممثلي القبائل ان يُمسك كل واحد منهم بطرف السجادة لوضع الحجر في مكانه الصحيح، ففعلوا، وبهذا شعر كل واحد منهم انه شارك بهذا الشرف العظيم.”
وأثناء تكليفه بتشكيل الحكومة الحالية ، ذكرّته بما اقترحته عليه سابقاً من عنوان للبيان الوزاري، ولعبنا الأستاذ معن بشور وأنا دوراً وجدناه مفيداً في تقريب وجهات النظر بين ممثلي المقاومة وبين الرئيس نواف سلام، وبالنتيجة قال احد ممثلي المقاومة:” اذا خطا الرئيس نواف سلام نحونا خطوة ، نخطو نحوه خطوتين. لكن الحكومة خطت اكثر من خطوة وبسرعة غير متوقعة، فصار الوضع على ما نحن فيه.”
وبهذا فإن الحكومة بدل أن تلجأ الى تدوير الزوايا، لجأت الى تربيع الدائرة . فأخطأت في الحساب والهندسة والاحداثيات.
الجميع يذكر موقف فخامة رئيس الجمهورية المشهود يوم رفض إنزال الجيش خلال مظاهرات تشرين 2017 . هي الحكمة لا غير، هي من ينقذ لبنان، فالإنقاذ لا يكون بالتفرد والشعور بانتصار فئة على أخرى، في هذا البلد المتكون منذ نشوئه على الوفاق المجتمعي .
وباعتقاد الكثيرين، وأنا منهم ، أن الدولة اللبنانية هي السقف الذي يجب ان تشتبك تحته كل السيوف . سيف الجيش وسيف المقاومة وسيف الشعب الحاضن للدولة والمقاومة. واذا كان البعض يرى ان سيف الدولة يجب ان يكون الآمر الناهي دون غيره ، فإن الواقع يقول أن هذا السيف مفلول ومغلول بفعل الإمكانات من جهة ، وبفعل الضغوط الخارجية والتعقيدات الداخلية من جهة أخرى. من هنا يجب اللجوء الى المنطق الذي يُحّتم التصرف العاقل والمبدئي والشجاع في آن، في مواجهة احتلال الأرض وتهديد سيادة البلدان.
وفي ظل الأنظمة والدساتير والأعراف التوافقية كما الحال في لبنان، فنحن لا نعتقد ان سيف الدولة في الظروف الراهنة قادر موضوعياً وذاتياً – وإن كنا نتمنى ذلك – أن يلعب لوحده دور حامي الوطن وحدوده ووحدته الداخلية.
ولهذا فإني اسمع صوت بيئة المقاومة يقول على لسان المتنبي لسيف الدولة
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وانت الخصم والحكم
وللإنصاف فإن الجيش اللبناني بعد اتفاق الطائف كان حريصاً دائما على أن لا يكون سبباً أو أداة في إحداث الفتن الداخلية في البلاد. كل ذلك بسبب تركيبته، وعقيدته القتالية، وقيادته الحكيمة ، ووعي ضباطه وعناصره لمسؤولياتهم.
كاتب لبناني
2025-08-20