شرق المتوسط قنبلة تنتظر التفجير!
اضحوي جفال محمد*
من نظرة بسيطة إلى الخارطة تبدو تركيا من أغنى دول العالم بالسواحل، تكاد البحار تحيط بها من جميع الجهات. تطل على البحر الأبيض والبحر الأسود وبحر إيجة وبحر مرمرة، ويقع ضمن حدودها اثنان من أهم المضائق، البسفور والدردنيل. لكن ذلك كله تقريباً ينتهي إلى أرخبيل الجزر اليونانية التي تملأ بحر إيجة ويقع بعضها على مسافة كيلومتر واحد من البر التركي. فالسفينة القادمة من روسيا او القوقاز وبعد ان تعبر تلك المضائق تجد امامها شبكة من الجزر اليونانية تحاصر جميع الممرات المفضية إلى البحر الأبيض. هذا الغبن الذي لحق بتركيا بعد الحرب العالمية الاولى وضَعها جزئياً وشعورياََ في ما يشبه أحاسيس الدول الحبيسة. ولأن تغيير ذلك الواقع شبه مستحيل احتدّت السلطات التركية في رغبة التوسع البحري خارج تلك المنطقة. فكان غزوها لقبرص عام 1974 نتيجة لذلك الحيف، ثم جاء إعلانها غير المنطقي عام 2019 عن الاتفاق مع حكومة الوفاق الليبية على ترسيم الحدود البحرية في قفز غير واقعي فوق دول كثيرة. فهذا الترسيم يتجاهل اول ما يتجاهل العلاقة السياسية والقومية والجغرافية بين اليونان وقبرص، ويحاول التمدد بينهما. وبما ان قبرص واليونان لديهما تفاهمات بحرية مع اسرائيل، أكثر وجاهة بمنظور القانون الدولي من اتفاقية تركيا وليبيا، تصبح هذه الاتفاقية الأخيرة ضرباً من التخبط قد يكون هدفه دفع الأطراف الاقليمية الأخرى إلى التفاوض للحصول على مكتسبات.
والحقيقة ان الاتفاقية البحرية بين إسرائيل وقبرص شكلت مساساً واضحاً بالحقوق البحرية لكل من لبنان وسوريا.
أثار اكتشاف اسرائيل للنفط في عمق البحر الأبيض واستثماره توترات اقليمية. لم تكن سوريا او لبنان في وضع سياسي يسمح لهما بالدفاع عن حقوقهما البحرية. وأقصى ما حصل عليه لبنان هو اتفاقية مبهمة مع إسرائيل برعاية أمريكية عام 2022 تعطي إسرائيل كامل حقل كاريش المختلف عليه مقابل وعود بالاستثمار الدولي للتنقيب في منطقة قانا المجاورة لصالح لبنان، وهي وعود لم ترَ النور كما هو متوقع.
وفي الجانب الآخر توجد مصر التي يحاصرها الاسرائيليون من خلال سيطرتهم القوية على بحر غزة في المتوسط. وكانت مصر على الدوام أقرب إلى المحور اليوناني الاسرائيلي منها إلى المحور التركي. وبانضمام سوريا إلى المحور التركي بعد سقوط النظام السابق تعزز هذا المحور سياسياً، أو هكذا افترض كثيرون، باعتبار سوريا الجديدة مناوئة لإسرائيل، وهو أمر بات مثار شكوك كثيرة. وفي كل الاحوال تحتاج تركيا وقبل ان تتسلح بسوريا لمواجهة الآخرين، تحتاج ان تُرسّم حدودها مع سوريا ذاتها قبل التوجه إلى ما وراءها.
لم ترسّم الحدود البحرية بين تركيا وسوريا في ما مضى بسبب الخلاف المستعصي حول النقطة البرية التي ينطلق منها التخطيط. فالسوريون لا يعترفون باستحواذ تركيا على منطقة الاسكندرون، ويعتبرونها ارضاً محتلة. والاتفاقية التي تعتمد عليها تركيا بشأن حدودها البرية مع سوريا لم تكن اتفاقية مع السوريين انفسهم وانما مع سلطات الاستعمار الفرنسي التي كانت تحكم سوريا عام 1938.
الان وبعد التوترات التركية الاسرائيلية على الارض السورية ترفع جميع تلك التعقيدات رؤوسها وتصب زيتاً على النار. ولأن الحلول الوسط غير ممكنة في بعض الحالات بحكم الجغرافية فإن الأمور تتقدم نحو مزيد من التصعيد. فقبرص شديدة القرب من الساحل السوري (100 كم) إلى درجة ان اي تمدد تركي بينهما غير ممكن.
( اضحوي _ 2433 )
2026-09-02