كيف غدرت الدُمية الأوكرانية بصانعها!

رنا علوان
[ إذا ارتديت النظارات … ومن ثم نظرت إلى نفسي من وجهة نظر بقية العالم … فإنني أرى وحشًا ومحرك عرائس.. أرى الشخص الذي صنع زيلنسكي ووضع خططًا مروعة … يمكنني أن أجعل هذا حقيقيًا ]
إيهور كولومويسكي
وُلِد كولومويسكي عام 1963 في مدينة “دنيبرو” (“دنيبروبتروفسك” سابقا) في جمهورية أوكرانيا السوفيتية حينذاك ، ودرس الهندسة في معهد دنيبروبتروفسك للمعادن عام 1985 ، ثم دخل إلى مجال الصناعات الثقيلة في أوكرانيا وبرز اسمه بشكل لامع ، بيد أن الإنجاز التجاري الأهم للرجل تحقَّق عام 1992 ، عندما أصبح أحد مؤسسي “بريفات بنك” (PrivatBank) أكبر بنك في أوكرانيا
من ثم اصبح كولومويسكي يدير أعمالا في مجالات النفط والمعادن والخدمات المصرفية ، علاوة على ثروة تُقدَّر بـ1.67 مليار دولار ، حتى غدا خامس أغنى شخص في أوكرانيا بحسب تقرير حديث صادر عن مركز الإستراتيجية الاقتصادية ومقره كييف
يُعرف كولومويسكي صاحب جوازَيْ السفر الإسرائيلي والقبرصي بوصفه مُتبرعا يهوديًا وراعيًا للأعمال الخيرية ، فقد موَّل مركزًا مجتمعيًا يهوديًا في دنيبرو ، وآخر لدعم حركة “حَبَاد” الحسيدية ، واحدة من أكبر المنظمات اليهودية في العالم
كما تولى سابقا رئاسة المجلس الأوروبي للمجتمعات اليهودية (ECJC) وكان أحد مؤسسي الاتحاد اليهودي الأوروبي ، هو دور جعل اسمه يظهر في الدعاية الروسية ، حيث اعتبر “أليكسي بافلوف” ، مساعد سكرتير مجلس الأمن الروسي ، أن علاقات كولومويسكي مع “حَبَاد” علامة على أن أوكرانيا قد استولت عليها “الطوائف الوثنية الجديدة”، في إشارة إلى الحركة الحسيدية
لقد نجح رجل الأعمال الأوليغارشي ، اليهودي الأصل ، في ان يصبح أحد أبرز المليارديرات في أوكرانيا ، وقال كلماته أعلاه متهكمًا قبل أعوام ومُغترًا بما وصل اليه ، فهو ذاك الرجل الذي يحتفظ بسمكة قرش طولها 5 أمتار في مكتبه ، ويقوم بتغذيتها بالطعام المخضب بالدماء لإرهاب حضوره ، ناهيك عن النفوذ الذي كان يتمتع به محرك العرائس والذي تساوى ونفوذ الدولة نفسها
يعد الدور الذي لعبه كولومويسكي ، خلال الانتخابات الرئاسية عام 2019 ، من اهم ادواره ، حين عاد من منفاه الاختياري في “تل أبيب” إلى كييف من أجل المرشح آنذاك “فولوديمير زيلينسكي”، الذي سبق وعرفه ممثلاً كوميديًا فقد كان للأخير علاقة بقناة تلفزيونية مملوكة لكولومويسكي نفسه
وقد سعى كولومويسكي لفوز زيلينسكي متبنيًا جميع الإجراءات والدعم المطلق ، وصولاً لتعينه محاميه الشخصي مستشارًا لحملة زيلينسكي الانتخابية، واستفاد زيلينسكي آنذاك من التأييد الحماسي لإمبراطورية كولومويسكي الإعلامية
لقد كانت بداية ظهور كولومويسكي مع بداية عام 2014 ،خلال حكومة الرئيس الأوكراني آنذاك أولكسندر تورتشينوف التي كانت لتوها قد أمسكت زمام الحكم بالوضع المزري لجيش البلاد ، فلا خبرة قتالية للجنود ، ولا تمويل كافٍ يعوض النقص الحاد في الجهوزية من أجل خوض الحرب
قرر كولومويسكي ، اثبات نفسه وجهز ميليشيا خاصة به للدفاع عن المنطقة أمام “الانفصاليين” المدعومين من روسيا، وأمد وحدات الجيش والشرطة بالمال والعتاد ، كما جاء بمستشارين عسكريين رومانيين وجورجيين للمساعدة في تدريب المتطوعين ، وقرر بناء جدار من الفولاذ المقوى على طول الحدود الأوكرانية الروسية لاعتراض المتمردين والأسلحة ، حتى قيل إنه هو “الذي تمكن من إبطاء استيلاء بوتين على شبه جزيرة القرم ووقف تقدم روسيا في المنطقة الشرقية بشكل أسرع مما توقعه أي شخص”، على حد وصف الرئيس الجورجي السابق “ميخائيل ساكاشفيلي”
لكن ككل شيء يعلو علوًا ملتويًا سيكون السقوط نهايته حتمًا ، فلقد طاردت شكوك الفساد والاختلاس كولومويسكي على مدار السنوات الماضية ، بشكل واضح منذ العام 2016 عندما اكتشف المسؤولون الأوكرانيون فقدان نحو 5.5 مليارات دولار من الميزانية العمومية لبنك بريفات ، حيث اتُّهِم كولومويسكي بالاختلاس مع مسؤولين آخرين ، ثم قامت حكومة الرئيس آنذاك “بيترو بوروشِنكو” بالاستحواذ على البنك جزءا من عملية لـ”تطهير النظام المصرفي”
وجُرِّد كولومويسكي من الجنسية الأوكرانية في يوليو/تموز 2022، وهو يظهر الآن في مواد التحقيق مواطنًا إسرائيليًا وقبرصيًا
لم تكن قضية الفساد تلك فريدة من نوعها في أوكرانيا ، فأسوة بباقي دول الفضاء السوفيتي بعد انهيار الاتحاد مطلع التسعينيات ، هيمنت الرأسمالية فجأة على أوكرانيا ، واستغلت جماعة من أصحاب المشاريع الذين ربطتهم علاقات قوية بالحكومة آنذاك ضعف الرقابة ، ومن ثمَّ سيطرت فعليا شركات بعينها على قطاعات الاقتصاد الكُبرى ، وظهرت طبقة رأسمالية-بيروقراطية عُرِفت بالثراء الفاحش والفساد الشديد طيلة العقود الثلاثة الماضية
وقد بسطت تلك القِلة قوتها على الدولة نفسها، وقوَّضت الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية ، تغلغل المال في عالم السياسة الأوكرانية وشكَّل وسائل الإعلام المملوكة لتلك النخبة الجديدة ، كما وجَّه أوكرانيا في اتجاه روسيا تارة والغرب تارة أخرى ، بحسب مصالح رجال الأعمال التجارية وشبكات المحسوبية خاصته ، ما ساهم في تفكيك المجال السياسي وإضعاف الدولة الأكبر في شرق أوروبا
مع انتخاب زيلينسكي رئيسًا عام 2019 ، وعد الرئيس الأوكراني الجديد بمواصلة الإصلاح وترويض نُخب ما بعد الاتحاد السوفيتي
في البداية حاول زيلينسكي وفريقه قص أجنحة النخبة المالية بتشريعات تتطلب بقاءهم بعيدًا عن السياسة في عملية عُرفت باسم “تفكيك النخبة الفاسدة”
فقد قدَّم عام 2021 قانونا يهدف إلى الحد من “التأثير المفرط” لكبار رجال الأعمال ، ويُلزِم المشمولين بالإعلان عن ممتلكاتهم واتصالاتهم مع المسؤولين ، وقد حدد القانون الجديد أول تعريف ، قانوني للأقلية حاكمة بأنه “محتكر كبير تبلغ ثروته أكثر من 80 مليون دولار ويتمتع بنفوذ على السياسة ووسائل الإعلام”
وبما ان المثل يقول ( اتق شر من احسنت اليه ) كان في كل خطوة اتخذها زيلينسكي ضد “النخبة الفاسدة”، يحضر اسم كولومويسكي ، الذي ساهم في صعوده السياسي كأهم اختبار لصدقه في تحقيق تقليص نفوذ النخبة المالية المُتحكمة في أوكرانيا ، لكن الرئيس الأوكراني عمل منذ البداية على تجريد كولومويسكي من نفوذه ، بل وإرسال تحذير له من خلال ملاحقته للفاسدين الآخرين ، وعلى سبيل المثال جُرِّد كولومويسكي من الجنسية الأوكرانية في يوليو/تموز 2022 ، وهو يظهر الآن في مواد التحقيق ، مواطنًا إسرائيليًا وقبرصيًا ، ثم بعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر سيطرت الحكومة الأوكرانية على حصص ، في شركات إستراتيجية كبرى ، كان بعضها مرتبطًا به ، مستشهدة بقوانين زمن الحرب لمساعدة المجهود الحربي
جاءت الضربة القوية ضد كولومويسكي في أوائل سبتمبر/أيلول الحالي حين اعتُقل من منزله بتهمة تبييض أموال تصل قيمتها إلى 13 مليون دولار ، حيث ألقت السلطات الأوكرانية القبض عليه بموجب المادتين 190 و209 من القانون الجنائي بتهم الاحتيال و(غسل) العائدات من الجريمة ، وهي تهم تصل عقوبتها في حال الإدانة للسجن مدة 12 عامًا ، وأُمر بالبقاء رهن الاعتقال حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول القادم ، وحُدِّدت الكفالة -يرفض كولومويسكي دفعها- بمبلغ 509 مليون كرونة (14 مليون دولار) ، وحسب بيان جهاز الأمن الأوكراني: “تبين أنه خلال الأعوام 2013-2020، قام إيهور كولومويسكي بتهريب أكثر من نصف مليار هريفنا (العملة الأوكرانية) عن طريق نقلها إلى الخارج”
وعقب سجن كولومويسكي ، تحدث زيلينسكي بشكل غير مباشر عن القضية ، وقال في خطابه المسائي المعتاد
[ لن يكون هناك عمل كالمعتاد لعقود طويلة لأولئك الذين نهبوا أوكرانيا ووضعوا أنفسهم فوق القانون وأي قواعد]
كما شكر مسؤولي إنفاذ القانون الأوكرانيين [ لتصميمهم على إنهاء كل قضية متوقفة لعقود من الزمن إلى نهاية عادلة]
2023-10-29