لأول أول مرة تدخل تونس نادي الجوائز الدولية مثل جائزة نوبل للسلام.
وهي أفضل تعبير على ثراء التجربة التونسية بإيجابياتها وسلبياتها بعد انتفاضة 2011 لكن من المؤسف أنه لم يقع تسويق هذه الجائزة بما يعود بالفائدة الاقتصادية والمعنوية على هذا البلد بل هناك من حقّر من قيمتها وانعكاساتها لحسابات سياسوية ضيقة. فما هي دلالات هذه الجائزة؟ وكيف نحافظ على زخمها؟
دلالات الحصول على جائزة نوبل
الحصول على جائزة نوبل للسلام لسنة 2015 للرباعي الراعي للحوار الوطني بتونس جاء لعدة أسباب:
1- لأن الدور الذي قام به الرباعي المتكون من اتحاد الشغل واتحاد الأعراف ورابطة حقوق الانسان والهيئة الوطنية للمحامين كان دورا استثنائيا حيث أنقذ التجربة الديمقراطية التونسية من مخاطر فشل شبه مؤكد.
2- لأن الشعب التونسي تجاوز تناقضاته عندما قبل بدستور وفاقي ونجح في تنظيم انتخابات شفافة بمعايير دولية.
3- لأن مؤسسات الحكم والمعارضة الديمقراطية صمدت بنجاح في وجه محاولات لبننة أو صوملة تونس .
4- لأن الرباعي كان مسنودا بالمجتمع المدني الذي كان أقوى من المجتمع الحزبي .
وهنا نود أن نُذكّر بأن هذا الرباعي الذي تسلم جائزة نوبل تأسس أصلا في 2013 من أجل منع تغوّل الإسلام السياسي الممثل آنذاك بحركة النهضة ذات التوجه الإخواني في السلطة.
وقد نجح هذا الرباعي في فرض قواعد جديدة للعبة السياسية ابتدأت بتشكيل حكومة تكنوقراط (كانت رفضتها حركة النهضة قبل سقوط مرسي وقبلتها بعد سقوطه) من أجل إعداد انتخابات أكثر شفافية، في انتظار أن يقوم التيار الإسلامي بمراجعات عميقة.
لكن اتضح بعد خطب المسؤولين وآخرها ما صرح به وزير سابق من حزب النهضة في تعقيبه على حصول تونس على جائزة نوبل للسلام في قناة فرانس 24 (يوم 9 أكتوبر 2015) من أن حزبه مازال متشبثا بخلط الدين بالسياسة وحاول أن يتلاعب بالمصطلحات عندما أراد أن يستبدل الاسلام السياسي بالإسلام الديمقراطي تقليدا للمسيحية الديمقراطية في أوروبا وهي مقارنة خاطئة من حيث الشكل ومن حيث المضمون بين التيارين.
وفي الحقيقة فإن عقيدة تيار الاسلام السياسي لم تتغير لحد الآن في العمق لأن الخطاب السياسي لهذا التيار غير متناغم مع أرضيته الايديولوجية إطلاقا وأن التلويح بفصل الوظيفة الدعوية عن الوظيفة السياسية للحزب في مؤتمره القادم هو فصل تنظيمي لا فصل فكري.
لقد كان الرباعي للحوار محقا عندما تدخل لمنع شبح حرب أهلية بدأت تتضح معالمها بانتشار الظاهرة الإرهابية التي شهدت أوجها مع حكم الاسلاميين لتونس بين 2011-2013 وكان نجاحه في إقناع الاسلاميين بالانسحاب من الحكم لفائدة حكومة تكنوقراط يُحسب له وكان ذلك أولى خطوات نجاحه التي أوصلته بعد استكمال خطوات أخرى إلى الحصول على جائزة نوبل للسلام.
ولعل ذلك سيدفع تيار الاسلام السياسي مستقبلا للتخلي عن التوجه الإخواني فكرا وتنظيما لكن ذلك لن يكون قريبا بل سيستغرق عشرية كاملة إن لم نقل أكثر، وهو ما سيجعل دور الرباعي الراعي للحوار الوطني متواصلا طالما هناك أحزاب توظف الدين في السياسة، لأن هذه الأحزاب ما تزال تمثل البيئة الحاضنة للإرهاب كلما أتيحت لها فرصة الحكم لوحدها من جديد، وهي أيضا نقيض الدولة المدنية الديمقراطية.
وقد لمسنا بوادر هذه الخطورة في التطورات الأخيرة المتصلة بقضية الإمام رضا الجوادي والمعركة من أجل استرجاع المساجد لأن السلطة لحد الآن تحتاج إلى إعادة النظر في تسمية مئات من الأيمة الذين عينتهم الترويكا بزعامة حركة النهضة بعد أن تم عزل حوالي 1300 إمام منذ 2012 تحدثت عنهم نقابة الأيمة في بيان لها.
وبالتالي فإن مهمة حكومة الحبيب الصيد هامة ودقيقة في ضبط بوصلة الفضاء الديني واستكمال ترشيد الخطاب الديني.
وهنا يصبح الرباعي الراعي للحوار الوطني مطالب بالتوسط من أجل إقناع كل الأطراف وخاصة حركة النهضة بأهمية تحييد المساجد كخطوة ضرورية لمقاومة الإرهاب، وهو ما تفعله حكومة بن كيران في المغرب القريبة من حركة النهضة حيث قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم بالمغرب بعدم تقلد وزارات الشؤون الدينية والدفاع والداخلية التي بقيت من اختصاصات الملك وهذا ما يفسر ضعف الظاهرة الإرهابية بالمغرب.
كيفية الإبقاء على زخم جائزة نوبل للسلام في تونس؟
إن المطلوب اليوم ليس الاحتفاظ فقط بهذه الجائزة الثمينة بل ترجمتها على أرض الواقع من حيث،
أولا: الحفاظ على السلم الاجتماعية والأمن الداخلي بما يمكّن السلطة من معالجة رصينة لكل الإرباكات الأمنية الناجمة عن ملف الاغتيالات وآخرها ما حصل في الفترة الأخيرة مع رضا شرف الدين (أحد رجال الأعمال).
وثانيا، إعطاء المثل بالعودة القوية للعمل وتحسين الانتاجية في كل المجالات وهو ما يقدم مثالا للعالم بأن هذه الأرض المعطاءة منذ نشأتها في القديم قادرة على أن تصبح نقطة إشعاع تتجاوز حدودها القطرية.
وثالثا، بناء سياسة توافق جديدة تعتمد الالتزام بثوابت الدستور ومنها الحفاظ على النمط المجتمعي الحداثي لتونس لأن ذلك يشكل سدا منيعا ضد عودة التطرف والإرهاب.
ورابعا دعوة التيارات الديمقراطية الليبرالية لانتهاج سياسة واقعية براغماتية والنزول إلى العمل الميداني والإنصات لمشاغل المواطنين الحقيقية وإقرار إصلاحات جبائية أكثر عدلا مما عليه الآن، ودعوة التيارات اليسارية لتجديد خطابها والتخلي عن فكرة الدولة الراعية وتقديم بديل اقتصادي واجتماعي مقنع وواقعي يحقق المعادلة الصعبة بين تنمية الثروة وخلق أكثر ما يمكن من مواطن الشغل، وخامسا وأخيرا، استثمار الاهتمام العالي بحصول تونس على جائزة نوبل للسلام لجذب الاستثمار والسياح بشكل أكبر، والعمل من الآن على تسويق هذا المشروع.