المكابرة عند الهزائم!
محمـد علـي العامـري
هي حالة نفسية تلجأ اليها قيادات الأنظمة وخاصة الإستبدادية والأيديولوجية ، كأسلوب سهل عن طريق التلاعب بالألفاظ وخلط المفردات اللغوية لإعادة تعريف الهزيمة إلى ( النصر الإلهي ، والصمود الإستراتيجي ، والصبر الإستراتيجي ، والتراجع التكتيكي ) وما إلى ذلك من أساليب المخادعة .
فبدلاً من تقييم الخسائر المادية والبشرية ، يعاد تعريف “النجاح والنصر” بأنه مجرد بقاء نظام الحكم على قيد الحياة أو عدم الإنهيار التام . فيتحول الفشل إلى إنتصار معنوي .
كما أن العجز عن تحمّل مسؤولية الهزيمة والفشل ، يدفع القيادات السياسية والعسكرية إلى إسقاط الأسباب كلياً على ” المؤامرة الخارجية ” أو ” الخيانة الداخلية ” . وهذا يرفع العبء الأخلاقي والمعرفي عن القيادة ويثبت مقولة ( نحن لم ننكسر بضعفنا ، بل كسرنا بسبب حجم المؤامرات الخارجية ) .
وأيضاً ، لا تنسى هذه الأنظمة أن تهرب أو تلتجئ إلى الغيبيات والرموز الدينية عند إختفاء الإنتصارات الملموسة على الأرض . وتحويل الهزيمة الى ” إبتلاء رباني مرحلي ” تمهيداً للنصر الغيبي المؤكد ، مما يمنح الجمهور تخديراً مؤقتاً .
والأهم ، أن الأنظمة السياسية – الشمولية والأيديولوجية – توظف سيكولوجية المكابرة وأنكار الهزيمة كأداة هندسة إجتماعية وسياسية لضمان الأستمرار في الحكم والحفاظ على الشرعية ( الإنتصار هو بقاء النظام في الحكم ) مهما بلغ عدد القتلى ، أو حجم الدمار الهائل ، أو مدى ضعف وتراجع الإقتصاد وإنهيار العملة ، المهم أن ما تبقى من رموز السلطة مازال في الحكم .
أما تحويل الفشل والهزيمة إلى إستحقاق أخلاقي هو لإيهام الجماهير بأن الثمن المكلف الذي دُفع هو ” ضريبة العزة والكرامة ” ويُصور الفشل على أنه دليل على نبل الهدف وشراسة العدو وكثافة المؤامرات الخارجية ، وليس نتيجة سوء التخطيط والتقدير أو فساد النظام الحاكم وفشله في كيفية إدارة الصراع .
مثل هكذا أنظمة لا تدرك التبعات الطويلة الأمد على الدولة ، ربما إستمرارها في غرس هذه السيكولوجية يحميها في المدى القريب ، لكنه يصنع على المدى البعيد فجوة بين الشعارات والواقع .
وعندما تتراكم الهزائم غير المعترف بها ، يصل المجتمع إلى نقطة الإنهيار المفاجئ للثقة ، حيث يتهاوى الخطاب الرسمي دفعة واحدة أمام الواقع الذي سيعرّي هذا النظام ويصبح ضغيفاً هزيلاً أمام الجماهير .
10 آب 2026