كيف اثرت هجمات الحوثي على البحر الأحمر!
رنا علوان
يعد البحر الأحمر ، الذي يربطه مضيق باب المندب من الجنوب بالمحيط الهندي وبحر العرب وتربطه قناة السويس شمالا بالبحر المتوسط ، شريانًا مهمًا للتجارة والاقتصاد العالميين
فما يقدر بنحو 12 في المئة من التجارة العالمية يمر بقناة السويس وفق العديد من التقديرات الدولية، كما أنها تعتبر حلقة الوصل البحرية الأقصر والأسرع بين آسيا وأوروبا
وبعد دخول اليمن الصراع القائم في المنطقة بين العدو الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية حماس ، تواصل شركات الشحن العالمية إعلانها تجنّب المرور في البحر الأحمر ، وذلك تحاشيًا لتعرضها للخطر الذي يزيد من قيمة التأمين ، ناهيك عن الاخريات المسُتهدفة بسبب وجهتها الرئيسية ، والتي اجبرت على تغير مسارها ، مما كبدها ذلك ارتفاع في التكاليف
من أحدث هذه الشركات هي “بي بي البريطانية” التي تعتبر من اهم شركات النفط العالمية ، وقد علقت ، عبور جميع سفنها في البحر الأحمر ، وبعدها بساعات قليلة اتخذت نفس القرار شركة “فرونتلاين”واعلنت تجنب عبور الممر المائي ، في مؤشر على أن الأزمة تتسع لتشمل شحنات الطاقة ، كما ارتفعت أسعار النفط الخام وسط هذه المخاوف
حيث تسببت توترات البحر الأحمر بإرتفاع أسعار النفط أكثر من 2% ، فضلاً عن ان حركة التجارة بين الشرق والغرب تباعدت بسبب هجمات البحر الأحمر ، وتهديد الحوثي بإستهداف جميع السفن المتجهة إلى العدو الإسرائيلي مهما كانت جنسيتها ، بالإضافة لشركات الشحن العالمية التي تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية
وفي أيام سابقة ، أعلنت تجنب باب المندب ، الذي تمر عبره 40 بالمئة من التجارة الدولية ، الشركة الدنماركية “ميرسك”، والألمانية “هاباغ-ليود”، والفرنسية “سي إم إيه سي جي إم”، والإيطالية السويسرية “إم أس سي”، والتايوانية “إيفرغرين”
كما يمر نحو 15 بالمئة من حركة الشحن العالمية عادة عبر قناة السويس ، وهي أقصر طريق ملاحي بين أوروبا وآسيا ، لتعبر بعد ذلك أيضًا البحر الأحمر قبالة اليمن
هذه التهديدات كانت كفيلة بتعطيل التجارة البحرية ، إذ أعادت شركات شحن توجيه رحلاتها حول أفريقيا بدلاً من ذلك ، مما زاد تكاليفها ومدتها ، وكبدت معظم الشركات خسائر لم تكن بالحسبان
وقال ألبرت جان سوارت المحلل في بنك “إيه.بي.إن أمرو” لرويترز إن الشركات التي حولت مسار السفن مجتمعة “تسيطر على نحو نصف سوق شحن الحاويات العالمية”
يرصد الخبراء تأثيرات الهجمات الحوثية على الأرض في غزة ، ودورها في مصير المنطقة أمنيًا ، وما شكّله دخولها من فارق ، رغم إنكار البعض وذلك على سبيل المكابرة
فهي اثرت أمنيًا وإقتصاديًا بشكل كبير على العدو الإسرائيلي والعالم ، وقد ارتبط كل من الشقيّن ببعضهما البعض ، حيث ان استمرار تهديد الحوثي للملاحة دفع الدول لتشكيل تحالف بغرض تأمين سلامتها ، ما يعني عسكرة البحر الأحمر
وقد أعلنت الولايات المتحدة يوم امس الإثنين ، عن هذا التحالف الدولي الذي يهدف للتصدّي لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر تحت مسمى “المبادرة الأمنية المتعددة الجنسيات” ، ويضمّ عشرة بلدان
وجاء في بيان لوزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أن “البلدان التي تسعى إلى ترسيخ المبدأ الأساسي لحرية الملاحة عليها أن تتكاتف لمواجهة التحدّي الذي تشكّله هذه الجهة”
وقال أوستن ، الذي يقوم بزيارة إلى البحرين ، التي تستضيف الأسطول الأميركي في الشرق الأوسط ، إن الدول المشاركة تشمل بريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا
وأضاف أنهم سيقومون بدوريات مشتركة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن ، وفي بيان له اوضح “ان هذا تحد دولي يتطلب عملاً جماعيًا ، ولذلك أعلن عن إطلاق (عملية حارس الازدهار) وهي مبادرة أمنية مهمة جديدة متعددة الجنسيات”
ولم يجب بيان أوستن عن العديد من الأسئلة ، ومنها ما إذا كانت تلك الدول مستعدة لفعل ما فعلته السفن الحربية الأميركية في الأيام القليلة الماضية من إسقاط صواريخ وطائرات مسيرة أطلقها الحوثيون والاندفاع لمساعدة السفن التجارية التي تتعرض للهجوم
ما تصرّح به واشنطن دائمًا ، هو انها لا ترغب في توسيع رقعة المواجهات ، وتكتفي حاليًا بالدفاع ومنع وصول الصواريخ والمسيّرات الحوثية لأهدافها ، وتضيف ان هذا لا يعني بأنه لن يكون هناك رد ، بل على العكس
وقد أكد وزير الدفاع الأميركي ، خلال مؤتمر صحفي في تل أبيب ، مع نظيره الإسرائيلي قائلاً “نواصل تزويد إسرائيل بالمعدات التي تحتاج إليها للدفاع عن نفسها ، بما في ذلك الذخائر الحيوية والمركبات التكتيكية وأنظمة الدفاع الجوي”
ختامًا ، دخل الحوثيون على خط الصراع بين العدو الإسرائيلي وحماس ، من خلال إطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على كيان الاحتلال الإسرائيلي ، وعلى بُعد أكثر من 1500 كيلومتر من قاعدة قوتهم في العاصمة اليمنية صنعاء ، من ثم مهاجمة السفن في البحر الأحمر ، ما شكل ذلك فارقًا كبيرًا ، فالتكنولوجيا الحديثة جعلت من الممكن “استهداف سفن تحتوي على سلع وبضائع بملايين الدولارات من خلال زورق صغير يحتوي على متفجرات لا تتجاوز تكلفته آلاف الدولارات ، كما أن فرص المناورة والإفلات من الخطر في البحر كثيرًا ما تكون ضئيلة جدًا ، وعلى الرغم من وجود اتفاقية دولية تنظم الحقوق البحرية للدول هي ( اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ) ، فإن هناك مشكلة في التطبيق تتمثل في ارتباط الخلافات حول الحدود البحرية لبعض الدول مع بعض الممرات المائية التي تراها تلك الدول جزءًا من مياهها الإقليمية”
واذا واصلت أصحاب “شركات النفط والسلع الأخرى” من منع إرسال سفنهم إلى مرمى الخطر ، سيكونون قد أوقفوا إمدادات النفط والغاز الآتية من الخليج إلى أوروبا وأمريكا ، وربما منطقة حوض الباسيفيكي أيضًا ، ما سينتج عن ذلك خطر حقيقي في نقص تلك الإمدادات ، وبالتالي ارتفاع بالأسعار ، وزيادة تكلفة الإنتاج الصناعي في العالم ، وكلفة السلع التجارية ومن ثم الإضرار بالنمو الاقتصادي العالمي”
[ فهل ستشعل اليمن شرارة الحرب العالمية الثالثة ]
2023-12-19