كندا مع حرية المرأة في السعودية.. وقانون العنصرية والاضطهاد في فلسطين المحتلة.. تناقض يحتاج الى توضيح
زهير أندراوس
لا يختلف عاقلان بأنّ نظام الحكم في العربيّة السعوديّة هو استبداديّ وشموليّ ويقمع الحريّات الفرديّة والجماعيّة لمُواطني المملكة على حدٍّ سواء، ولا نجد حاجةً لتقديم الأدلّة والقرائن والحجج والبراهين لتأكيد الأمر، ويكفي في هذه العُجالة التذكير بأنّ المرأة في السعوديّة هي في مصاف الضحيّة مرّتين: الأوّل، كونها تعيش في مملكةٍ لا تعرف ولا تعترف بأبسط الحقوق السياسيّة والاجتماعيّة وما إلى ذلك من حقوقٍ أخرى تحترمها وتمنحها حقّها في العيش بكرامةٍ ونديّةٍ، والثاني، أنّها، أيْ المرأة السعوديّة، هي أسيرة مجتمعٍ شوفينيٍّ ذكوريٍّ، يقمعها بشدّةٍ وبحدّةٍ، ولكي لا نُجافي الحقيقة، فإنّ السواد الأعظم من نساء الأمّة العربيّة يتعرّضن للتمييز غيرُ المُبرّر على خلفيّةٍ جندريّةٍ.
***
وبناءً على ما تقدّم، فإننّا نفهم ونتفهّم الموقف الكنديّ الذي أكّد على أنّها “تشعر بقلقٍ بالغٍ إزّاء الاعتقالات الإضافيّة لنشطاء المجتمع المدنيّ ونشطاء حقوق المرأة في السعوديّة”، لافتةً في الوقت عينه إلى “أنّها تحثّ السلطات السعوديّة على الإفراج عنهم فورًا، وعن جميع النشطاء السلميين الآخرين في مجال حقوق الإنسان”، كما جاء في تغريدة سفارتها في الرياض، التي اعتبرت الموقف الكنديّ تدخلاً في الأمور الداخليّة للمملكة، وقامت بطرد السفير الكنديّ واستدعاء سفيرها في أوتاوا، الأمر الذي أدّى إلى أزمةٍ دبلوماسيّةٍ غيرُ مسبوقةٍ بين البلدين بسبب حقوق الإنسان.
وغنيٌ عن القول إنّه لا يُمكِن بأيّ حالٍ من الأحوال، المُقارنة بين كندا والسعوديّة في مجال حقوق الإنسان، إذْ أنّ الأولى تتخّذ من الديمقراطيّة نهجًا، تُطبقه قولاً وفعلاً، فيما الثانية ما زالت بعيدة عن الإنسان وحقوقه على الأقّل ألف سنةٍ ضوئيّةٍ، ومع ذلك يجب التحذير من أنّ التصرّف الكنديّ ليس نابعًا من شعور دولةٍ غربيّةٍ بالاستعلاء والفوقيّة والوصايّة على دولةٍ عربيّةٍ، مهما كان موقفنا منها، فكلّ إناء ينضح بما فيه.
***
وبما أنّ الحريّة لا تتقسّم ولا تقتصِر على شعبٍ دون آخر، أوْ كما قال جبران خليل جبران: الحياة بغير الحرية كجسم بغير روح، والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة، الحياة والحرية والفكر، ثلاثة أَقَانِيْمَ في ذاتٍ واحدةٍ أزليّةٍ لا تزول ولا تضمحّل، فنجد لزامًا على أنفسنا التوجّه إلى صنّاع القرار في كندا بعددٍ من الأسئلة حول المفهوم العميق للحريّة في أيّ مكانٍ على وجه هذه البسيطة: في الولايات المُتحدّة الأمريكيّة، جارة كندا وحليفتها، قام الرئيس دونالد ترامب، بخطوةٍ وحشيّةٍ بالغة الخطورة، عندما أمر بفصل أطفال المُهاجرين عن أهاليهم، ووضعهم في “سجونٍ خاصّةٍ”، ما ذنب هؤلاء الأطفال؟ حتى لو قام أهاليهم بالهجرة غير الشرعيّة إلى أمريكا، وخالفوا القوانين، فبأيّ حقٍّ تُقدِم “أم الديمقراطيّات في العالم” (!) على خطوةٍ تتناقض جوهريًا ومبدئيًا مع أبسط حقوق الإنسان، ولكن ما يلفت انتباهنا في هذه القضية الخطيرة أنّ كندا التزمت الصمت المُطبق حيّال الجريمة الأمريكيّة، الأمر الذي يؤكّد على أنّها تُكيل بمكيالين في تعاملها مع قضية حقوق الإنسان، تنتقد السعوديّة بشّدةٍ وتغاضى لأسبابٍ لا نُريد سبر غورها عن فعلة ترامب، الذي ينتقِم من الأطفال، رمز البراءة. وهذا الموقف الكنديّ يجعل من تصرّفها اتجاه السعوديّة فاقدًا للشرعيّة الأخلاقيّة، لأنّ الدفاع عن الحريّة، إذا كان صادقًا فعلاً، فإنّه لا يأخذ بعين الاعتبار العلاقات السياسيّة مع حليفةٍ قويّةٍ وفي الوقت نفسه، يستأسد المُدافِع عن الحريّة على دولةٍ عربيّةٍ، لا تزعم أنّها ديمقراطيّة.
***
والشيء بالشيء يذكر: من المعروف أنّ العلاقات بين كندا و”واحة الديمقراطيّة في صحراء الديكتاتوريات العربيّة”، أيْ إسرائيل، تتسّم بالدفء، ولا تُخفي أوتاوا دعمها شبه المُطلق لسياسات الدولة العبريّة العدوانيّة ضدّ الشعب الفلسطينيّ منذ النكبة التي حلّت به في العام 1948. لا نطلب من هذه الدولة الغربيّة أنْ تكون كاثوليكيّةً أكثر من قداسة البابا في روما، ولكن ولو من باب أضعف الإيمان: ماذا فعلت كندا من أجل منح الشعب الفلسطينيّ دولته المُستقلّة، إلى جانب دولة إسرائيل؟ أيُ خطواتٍ انتهجت هذه الدولة الغربيّة، التي نصبّت نفسها، المُدافعة، مع أل التعريف، عن حقوق الإنسان، من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيليّ ووقف الجرائم والمجازر التي يرتكبها بشكلٍ شبه يوميٍّ ضدّ الشعب، الذي يئّن تحت نير الاحتلال؟ وسؤالٌ آخر: لماذا لم نسمع تصريحات من الحكومة الكنديّة حول قيام إسرائيل بإقامة أكبر سجنٍ في العالم، زجّت فيه أكثر من مليونيْ فلسطينيّ في قطاع غزّة منذ 12 عامًا؟ هل مسموح لإسرائيل ما هو ممنوع لغيرها؟ ربمّا نجد الإجابة في الأمم المُتحدّة: في كانون الأوّل (ديسمبر) من العام الماضي 2017، صوتت 128 دولة ضدّ قرار الولايات المُتحدّة الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، مقابل 9 دولة فقط اعترضت على القرار، برزت من بينها، بالإضافة لأمريكا وإسرائيل، أيضًا كندا. أليس هذا الموقف يدُلّ بشكلٍ حازمٍ جازمٍ بأنّ كندا تدعم إسرائيل المارقة بامتياز والمُعربدة مع علامة الجودة والامتياز، ومن الجهة المُقابلة، تؤيّد بصورة غيرُ مُباشرةٍ، تكريس الاحتلال، وهو أعلى درجات الإرهاب وقمع الحريّات والدوس عليها؟ كما أنّ كندا، نعم كندا، صوّتت في العام 2012 ضدّ قرار الجمعيّة العامّة للأمم المُتحدّة منح فلسطين صفة دولةٍ غيرُ عضوٍ في الأمم المُتحدّة.
***
ولا يُمكننا التغاضي عن قانون قوميّة الدولة العبريّة، الذي شرعنه الكنيست الإسرائيليّ مؤخرًا، الذي يهدِف إلى تحويل الفلسطينيين في الداخل إلى مُواطنين من الدرجة العاشرة إنْ لم يكُن أكثر من ذلك، وذلك على الرغم من أنّهم “أقليّةً” أصلانيّةً، لم تُهاجِر إلى فلسطين، بل على العكس، الصهاينة هم الذين استُجلبوا إليها وأقاموا دولتهم على أنقاض شعبٍ في أحد أبشع الجرائم التي ارتُكبت على مرّ التاريخ.
لم نسمع من كندا، التي تتباهى وتتفاخر بدعم اللاجئين الذين يتوافدون إليها، لم نسمع منها احتجاجًا أوْ شجبًا أوْ استنكارًا لهذا القانون، المُنافي لأبسط حقوق الإنسان في موطنه، فلسطين، وليس في دولته، إسرائيل، هذا القانون، الذي يُعلِن وبشكلٍ صريحٍ لا لبس فيه بأنّ الدولة العبريّة، صديقة كندا الحميمة، تحولّت إلى دولة أبرتهايد بصناعةٍ إسرائيليّةٍ. لحكّام أوتاوا نقول: اخرَسوا، مزاعمكم عن الحريّة أقّل ما يُمكن وصفها بأنّها مُخادِعة ومُضللة، ولحكّام تل أبيب: لسنا عابري سبيل، ولسنا ضيوفًا في وطننا، كنّا قبلكم، وحتمًا سنبقى بعدكم، تذكّروا وذوّتوا أننّا من رحم الأمّة العربيّة انطلقنا، وإلى اللحد سننتقل، والموت حقٌ، عربًا وفلسطينيين.