قيادات الفصائل و دعوات الوحدة الوطنية …!
عماد قطينة
أي دعوة للوحدة الوطنية موقف له احترامه وتقديره وأهميته , شريطة أن يأتي منسجما مع الوقائع , وواضحا بما يكفي للإبتعاد عن التضليل والتدليس , وعن أن يشكل ساترا أو مظلة لبرنامج يضر بالصالح الوطني , أو ساترا لعيوب قوى سياسية تعجز عن تبرير وجودها ووهنها تحت يافطة الوحدة .
الوحدة أو استعادتها , لا قيمة لها إن لم تكن تعبر على الأقل بخطوطها العريضة ( ولا نقول التفصيلية حتى لا نُتهم بالتناقض ) عن المصلحة الوطنية التي تعكس الحق أولا و مزاج ورغبة ومطالب الغالبية العظمى من الشعب . وليس عن برنامج فرضته ظروف ومعطيات وتوازنات محليه وإقليمية ودولية , وكوتة لاتمت بالصلة للتوازن الداخلي , ثبت بالممارسة عقمه وقصوره عن التقدم على طريق تحقيق الهدف الإستراتيجي الوطني على مدى أكثر من نصف قرن , وتجاوزه الزمن بالتقادم , وفقد شرعيته بتغييب مؤسساته الشرعية التي أقرته برغبة وقرار فردي وإقصائي .
الوحدة الوطنية مشروع تقوية وتمتين للجبهة المعادية للمشروع الإستعماري , وهي بذلك دعوة لأنتاج إطار موحّد و ناظم للعمل التحرري المقاوم والمتصادم مع الإحتلال , و تمكين هذا الإطار من برنامج واضح الأهداف ودقيق المعاني والمفردات التي تلغي مساحة التلاعب وتختصر الإجتهادات في تفسير بنود أو فقرات أساسية أو ثانوية من البرنامج , أو النظام الداخلي او الهيكلية أو صيغة القرار أو التحالفات الخارجية وأُسسها .
والوحدة الوطنية تتم عادة بين مكونات مختلفه , و برامج مختلفه , وهياكل مختلفة , يجمعها أكثر مما يفرقها . وما يجمعها أكثر رئيسية واساسية وإستراتيجية مما يفرقها . ومتى توفر مثل هذا تصبح الدعوة صادقة و مقنعة , وتحظى بثقة و دعم ورعاية وحماية شعبية تشكل رافدا أساسيا من روافدها .
الحالة الشعبية اليوم ليست في وارد الثقة بالقيادة الرسمية أولا , وربما بالقيادات الفصائلية عموما , مع الفوارق بينها . وبالتالي لديها إجماع كفر عام بالشخوص وبالسلوك و بالسياسة والإقتصاد والحريات والديمقراطيات المزيفة والمستلبة والموظفة بإتجاهات متناقضة عموما .
فالمعارضة الفلسطينية ( وأقصد المعارضة الجدية , وليست المسميات البالية لمعنى المعارضة )بما تحمله من برامج , وما تؤمن به من أهداف واساليب عمل , وما تراه من تحالفات ضرورية إقليمية ودولية , وما تراهن عليه لإحداث تغيير في الموازين لحسم الصراع مع العدو المحتل , وما تحمله من ثقافة الحق التاريخي وصراع الوجود , لا يلتقي مطلقا , وربما لا يقترب حتى من أطروحات السلطة السياسية في رام الله .
وببعض المقارنات الواقعية المطلقة نرى أن الإلتزام السلطوي في رام اله :- بأوسلو ( التدميري ) و بالأمن الصهيوني (عبر التنسيق المقدس ), وبإتفاقيات باريس الإقتصادية , وبالمفاوضات الخيار الوحيد , و بقمع ومطاردة واعتقال المقاومين والمعارضين لأوسلو ولسياسات السلطة المتناغمة مع رغبات الكيان الصهيوني في تغييب المؤسسات التشريعية والشرعية , وبعدم الألتزام بمقررات المركزي وقيادات الفصائل وغيرها من المؤسسات الموصوفة بالشرعية رغم لا شرعيتها . هذا الإلتزام أهم للسلطة واقوى من الإلتزام اتجاه حوارات الداخل والوحدة الوطنية والحريات الديمقراطية .
القيادة الفلسطينية في الضفة تتلخص في شخص الرئيس ومزاج الرئيس ورغبة الرئيس ورؤية الرئيس ونهج الرئيس , وماعدا ذلك رتوش تفصيلية تفقد قيمتها عند رفض الرئيس . وارئيس ودون تجني قالها مرارا وتكرارا وفي والإعلام وفي الوثائق الرسمية وبوضوح لا يخالجه أدنى شك , أنه سلطة بلا سلطه , ويرفض المقاومة وصواريخها العبثية كما وصف , ويصر على أوسلو والتنسيق الأمني والإلتزام بإتفاقاته مع الكيان (حتى التي لا يلتزم بها الكيان )رغم قرار المركزي وإجتماع الأمناء العامين بإلغائه , ويؤجل التوجه للمؤسسات الدولية رغم صدور قرارات بذلك , كالمحكمة الدولية وغيرها تاركا باب المساومة مفتوحا , ويتنازل عن حق العودة بتمسكه بصيغة السم المدسوس في المبادرة العربية التي تنص على ( وفق قرارات الشرعية الدولية وبالتوافق ) , وقد فسرها بما هو أوضح حين تسائل في لقاء صحفي قائلا : ومن يجبره على قبولحق العودة قاصدا نتنياهو .
الرئيس وهو الذي يمثل نهج التسوية وسلطة رام الله , قال بأنه من صفد , ولكن ليس من حقه العودة لها . وقال الكثير بهذا الشأن . والمعارضة الفلسطينية الجدية تتعارض وتتاقض مع كل هذا , في الوقت الذي يضع الرئيس شرط الإلتزام بالإتفاقيات الموقعة مع الكيان . إذن اين مساحة اللقاء , وكيف نهضم شعار الوحدة الوطنية المطروح من كلا الطرفين ؟
من الواضح أن الوحدة الوطنية مسدودة الأفق في ظل الموجود , ولا تحمل دعواتها أكثر من القيء لهذا الطرح الأعوج المتناقض . فالمعارضة تريد التبرؤ من مسؤولية الإنقسام , وكذلك حال السلطة وفتح التي لم تعد حاضرا جديا في القرار الذي اختزل بيد الرئيس الذي شكل هيئات فتح بما يناسبه ونهجه والتزاماته , وجلب مَن من خلالهم يدير دفة الأمور بلا منغصات وبسلاسة . وهذا لا ينفي قوة فتح الجماهيرية ولكنها المقموعة بإجراءات تستبعد أصواتها المعارضه .
من هنا يمكن الخلوص الى أن شعار الوحدة بلا مقومات ولا آفاق نجاح ولا نية نجاح لدى الرئاسة . وأن تعاطي المعارضة مع الشعار ليس جديا , أو تضليليا , وغالبا ما يعكس جبنا سياسيا من مواجهة الحقيقة , والتهرب من مسؤولياتها واستحقاقاتها .
منظمة التحرير بصيغتها القديمة ماتت سريريا منذ عقود , وبرامجها انتهت بإنتهاء نهجها وبرنامج اجماعها الوطني , وشرعيتها ضُربت بغياب شرعية الصندوق , وتمثيلها إختُصر بالتنظيم الجماهيري الواحد المسمى فتح التي تقزّمت بشخص الرئيس .
وبالتالي فإن الحديث عن ممثل شرعي ووحيد غير دقيق , كما غير دقيق الدعوة لدخولها من قبل حماس والجهاد على ذات العيوب الموجودة , وبذات الشخوص المسؤولة عن ما آلت اليه المنظمة والقضية برمتها .
الأكثر مناسبة وجدوى وواقعية لظروف اليوم هو الدعوة لوحدة وطنية بمؤسسة جديدة وبهيكلية وبرنامج وشخوص جديدة , بين كافة القوى المتضررة من الوضع القائم وفي مقدمتها حركة فتح التي لم تعد حامية المشروع الوطني بعد استلابها من قبل القيادة الراهنة , إضافة لكافة القوى والأحزاب بما فيها الموجودة خارج اطار المنظمة والمؤسسات الشعبية والنقابية والمستقلين الفاعلين على الأرض .
هذا هو الإستحقاق والبديل لحالة الإجترار القائم لمفردات فقدت قيمتها بفقدان مصاقية القائل . فبالأدوات القديمة لن تنجز مرحلة التمرد على القديم , وبالفاسدين والمفسدين لن نتجاوز الفساد , وبالتسووين لن نقود مقاومة تحرريه , وبالمستسلمين لن نواجه الإستيطان ولن ننجز عودة لملايين اللاجئين .
هل من يعطيني مؤشرا واحدا على قبول ملايين اللاجئين الفلسطينيين سيم الشتات لأوسلو وإفرازاته ولنهج التسوية الذي يتخلى عن عودتهم و78% من الأرض الفلسطينية لنقول بعدها أن القيادة شرعية التمثيل ؟
من يريد وحدة الشعب وشرعية تمثيله عليه ان يتبنى حقوقه ومطالبه , وأن يحترم رأيه وصوته وحرياته وكرامة حياته , وهذا غير متوفر في وضعنا الراهن , بما يستدعي إيجاده . والوحدة المطلوبة هي وحدة الأهداف والأدوات الشعبية ضمن مؤسسة تحظى برضاها .
وهنا سؤال حول تهرب الجميع من مهمات المرحلة وإيجاد البديل القادر على تحمل مسؤولية انجاز المهمة الوطنية .
نحن مخترقين بوعينا السياسي وبقياداتا حتى العظم , ونتكتم على ذلك لدواعي كثيرة , لكنها لن تصب في الصالح الوطني بقدر ما هي هروب من مواجهة الحقيقة
2021-12-24