قصّة قصيرة : دبيب النملة
رشاد أبوشاور
بعد عناق حّار بيننا، في اللقاء الذي جمعنا بعد ثلاث سنوات قضاها زميلي وصديقي الأستاذ ( م) في السجن، أخبرني بصوت واهن متقطّع بما جرى له .
استدعي صديقي ( م) إلى جهاز أمني لم يسمع به من قبل.
بعد أن رفع سمّاعة الهاتف جاءه صوت غليظ أجّش منخفض :
_ مرحبا أستاذ…
_ أهلاً ! رددت عليه بنوع من الاستغراب والتوجس، فأنا لا أذكر أنني سمعت هذا الصوت. إنه ليس صوت صديق، ولكن ربّما يريد صاحبه منّي خدمةً ما بشأن ابن له يدرس عندنا في المدرسة.
بهذا أخبرني وهو زائغ النظرات، متلجلج الصوت، بجمل قصيرة مفككة تدّل على مبلغ صدمته، وما فعله به السجن في ثلاث سنوات .
استأنف زميلي وصديقي الأستاذ (م) رواية حكايته:
_ جاءني الصوت في الهاتف موحيا بالجهة التي يمثّلها: لا نريد أن نطيل عليك. نريدك غدا في العاشرة . ستأتي إلى .. وذكر لي العنوان، ثمّ وهو يضحك : لا يوجد ما يعلن عن المكان، ولكن ستجد من يساعدك عند وصولك فأنت معروف عندنا . لا تتأخّر.
نمت نوما قلقا. لم أتعشّ. تأملت وجه زوجتي وطفلي وطفلتي. يبدو أن قلقي كان لافتا، وهذا ما دفع زوجتي للإلحاح لمعرفة ما حملته لي تلك المكالمة. طمأنتها بأن جهةً ما تريد التعرّف إلي!
تساءلت بدهشة :
_ ومتى كانوا يسعون للتعرّف بأحد هكذا لوجه الله، أو لتقديم خدمة له ؟ هم دائما …
قاطعتها حتى أبدد مخاوفي أنا، لا مخاوفها هي :
_ أترين ! إنهم يطلبونني بالهاتف، هذا لم يكن يحدث سابقا. كانوا يدهمون في الفجر، لذا وصفوهم بزواّر الفجر، لأنهم زوّار غير مرغوب بهم. الدنيا تغيّرت، فنحن في زمن التكنولوجيا والإنترنت !.
في الصباح حلقت لحيتي، وشربت فنجان قهوة . لم استطع بلع ولو لقمة رغم إلحاح زوجتي : كلّك لقمة، فهم لن يطعموك، وستتأخّر عندهم …
دخلت زوجته بالقهوة، ومدّ طفلهما رأسه من فرجة الباب ، فحرّكت أصابعي في الهواء مداعبا، فضحك واختفى .
قالت الزوجة بأسى :
_ حذّرته دائما من الإنترنت، ولكنه عنيد. ماذا يهمنا من أخبار العالم، والمقالات التي يكتبها ناس لا نعرفهم ، ولا نعرف أين يعيشون، وماذا يريدون؟! .
نظر إلى وجهها بعينين تغطيهما غلالة من ماء شفيف بدأ يتجمّع في مؤقي عينيه .
قلت له معتذرا :
_ لا تلمني يا صديقي لأنني لم اسأل عنك. أين يمكن أن أسأل، وأي جهة ؟ ثمّ لو فعلتها ما يدريني أنهم لن يزجّوا بي معك في القضية التي لا أعرف عنها شيئا !
قالت الزوجة :
_ يخلف عليك أنك أرسلت لنا بعض النقود، وسألت عنّا. غيرك من أصدقائه الكثر لم يكلّف نفسه عناء السؤال.
سألته :
_ ولكن ما هي التهمة ؟
أمال وجهه وفرك راحتيه بعصبيّة بادية :
_ تلقي رسائل عبر البريد الإلكتروني!. قلت لهم : أنا لا أستطيع منع تلقي رسائل ألكترونيّة عبر بريدي الإلكتروني، ولكنكم أنتم تستطيعون حجب ما تشاؤون، فالأمر في يدكم فنيّا. لم تتوقّف الأمور عند هذا الحّد . سألوني من مِن أقاربي كان، أو مازال حزبيّا. خشيت أن اخفي عنهم شيئا، خاصة وهم أخبروني من بداية التحقيق أنهم يعرفون دبيب النملة، ولذا أخبرتهم بأن عمّي عبد الرزّاق رحمه الله كان حزبيّا .
أخذّ يؤرجح رأسه ومنكبيه، كأنما هو غير مصدّق لما حدث معه :
_ لمّا رأيت اهتمام المحقق بحزبيّة عمّي، لفّت انتباهه إلى أن عمّي يرحمه الله مات سنة 67 ، أي قبل خمسة وثلاثين سنة. عندئذ غرس نظراته في عيني وهو يتكلّم ببطء: يجب أن نعرف كلّ شئ عن مواطنينا أحياء وموتى …
انتفض زميلي وصديقي ( م) واقفا:
_ أيقظوني بعد منتصف الليل من غفوة مختلسة، وزجوني في سيّارة عسكريّة صغيرة، وتوجهوا بي إلى المقبرة التي دفن فيها عمّي، وعندما أنزلوني طلبوا منّي أن ادلّهم على قبر المرحوم عمّي، فانفجرت ضاحكا، فصاح الضابط المحقق وهو يصرف على أسنانه :
_أغلق فمك يا كلب ..بدّك تفضحنا في هالليل! ما المضحك في الأمر؟
_ ألا يكفي عمّي أن الله حقق معه، وأنه حاليا بقايا عظام؟
ثمّ حبكت معي :
_ أم أنتم أكثر دقّة في التحقيق من ..استغفر الله العظيم !
جلس زميلي وصديقي ( م)، وأحنى جسده ووضع رأسه بين يديه، وأجهش باكيا.
حاولت مواساته :
_ الحمد لله على سلامتك، المهم أنك عدت لأسرتك، وأنك بخير، وأن عملك في المدرسة ينتظرك، فطلاّبك اشتاقوا لك …
* * *
سألني مدير المدرسة صبيحة اليوم التالي :
_ كيف شفت صاحبنا ؟
لذت بالصمت، فعلّق المدير:
_ يعني ليس بخير !
_ ثلاث سنوات في الزنزانة ، بدون تهمة، لأستاذ برىء محّب للاطلاع على أحوال الدنيا..أي ظلم هذا ! .
* * *
حضر الأستاذ ( م) فاقترح المدير وهو عجوز طيّب على مقربة من التقاعد، أن يعنى ببعض حصص الرياضة إلى أن يعود إلى جّو المدرسة .
اقترب منّي زميلي وصديقي ( م)، وهو يغادر غرفة المدير، وسألني همسا: _ هل تملك جهاز كمبيوتر ؟
_ لا
_ هل أنت مشترك في الإنترنت، وهل لك عنوان إلكتروني ؟
_ لا …
صفن وهو يورب رأسه، وسألني بغتة بعينين تقدحان شررا :
_ هل كان عمّك حزبيّا ؟. في أي مقبرة دفن، وماذا يعمل هناك ؟!
بإشارة من يده فهمت أنه يريدني أن أقرّب أذني من فمه، ففعلت . همس بجديّة تامة :
_ إذا كان لك عّم، وحتى لو مات منذ زمن بعيد، فاحرص على أن تحمل صورته في محفظتك، لأنهم إن استدعوك لأي سبب ولم يجدوا صورته في حوزتك، فسيصطحبونك إلى المقبرة لالتقاط صورة شخصيّة له لوضعها في إضبارته!
سألته:
_ وإن كان لحم وجهه قد اهترأ، ولم تبق سوى العظام؟
بصوت يشبه الفحيح:
_ لا تتشاطر، فأنا سألتهم قبلك. أتعرف بماذا أجابوني : سنجري عمليات فنيّة تعيد رسم الملامح كما خلقها الله . أنت لا تعرف كما يبدو أنهم يسمعون دبيب النملة !.
ثمّ ابتعد ليبدأ في إعطاء حصّة الرياضة، بينما هو يكرّر العبارة : دبيب النملة .
أخذ يستعرض الطلاّب الذين اصطفوا في الطابور بشكل فوضوي، وهم يتضاحكون، فحصّة الرياضة ترتبط دائما بالانفلات والصخب.
رأيته من شبّاك الإدارة وهو يستعرض الطلاّب بصرامة، وتوتّر، ملوّحا بمؤشّر من التي يستخدمها الأساتذة لشرح الدروس، بينما ارتفع صراخه :
_ أنت وهو : ولا كلمة ..سكوت، اخرسوا يا بهائم : بدّي أسمع دبيب النملة ..دبيب النملة .. دبيب النملة!
10/11/2015