سيادة العراق بين حق الدفاع عن النفس وحظر استخدام القوة..
(قراءة في مشروعية الضربات الأمريكية-السعودية وفق القانون الدولي)
الدكتور حيدر السلامي*
أثارت الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع داخل الأراضي العراقية نقاشاً قانونياً واسعاً حول مدى توافقها مع قواعد القانون الدولي، ولا سيما أحكام ميثاق الأمم المتحدة التي تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي.
لقد أعلنت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أن الضربات جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيّرة قيل إنها انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت داخل المملكة. وفي المقابل، أعلنت الحكومة العراقية أنها تلقت هذه المعلومات، وشكلت فوراً لجنة تحقيق رسمية للتثبت من صحتها، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام الأراضي العراقية للاعتداء على أي دولة، وأنها ستتخذ الإجراءات القانونية بحق أي جهة يثبت تورطها.
غير أن التطور اللافت يتمثل في أن الضربات العسكرية نُفذت قبل انتهاء التحقيق العراقي، ثم صدر لاحقاً تصريح الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة بأن الجانب السعودي لم يسلّم العراق حتى ذلك الوقت أي دليل يثبت أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية.
وهنا يبرز سؤال قانوني جوهري:
هل يجوز لدولة أن تستخدم القوة العسكرية داخل أراضي دولة أخرى، بينما كانت تلك الدولة قد باشرت بالفعل تحقيقاً رسمياً في الادعاءات الموجهة إليها، ولم تتسلم – بحسب إعلانها الرسمي – الأدلة التي تثبت تلك الادعاءات؟
أولاً: الأصل في القانون الدولي هو حظر استخدام القوة
تنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على التزام جميع الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
ويعد هذا النص من قواعد القانون الدولي الآمرة، وهو أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي.
ثانياً: الاستثناء الوحيد هو حق الدفاع عن النفس
تجيز المادة (51) من الميثاق للدول استخدام القوة دفاعاً عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
غير أن القضاء الدولي والفقه القانوني استقرا على أن ممارسة هذا الحق ليست مطلقة، وإنما تخضع لشروط صارمة، من أهمها:
- وجود هجوم مسلح يمكن نسبته إلى جهة محددة.
- ضرورة استخدام القوة، بحيث لا يكون هناك بديل عملي أقل مساساً بسيادة الدول.
- التناسب بين الهجوم والإجراءات العسكرية المتخذة.
- أن يكون استخدام القوة آخر الوسائل وليس أولها.
ثالثاً: أثر تشكيل العراق لجنة تحقيق
من الوقائع المعلنة أن الحكومة العراقية لم تنكر الادعاءات أو تتجاهلها، بل باشرت تحقيقاً رسمياً فور تلقيها المعلومات، وأعلنت استعدادها لمحاسبة أي جهة يثبت تورطها.
وهنا تبرز مسألة قانونية بالغة الأهمية.
فإذا كانت الدولة الإقليمية قد استجابت للادعاءات، وبدأت تحقيقاً رسمياً، وأبدت استعدادها للتعاون، فإن ذلك قد يكون عنصراً مهماً عند تقييم شرط “الضرورة” الذي يشكل أحد الأسس القانونية لممارسة حق الدفاع عن النفس.
ففي مثل هذه الحالة، يثار التساؤل حول ما إذا كان اللجوء الفوري إلى القوة العسكرية قد أصبح بالفعل الخيار الوحيد، أم أن انتظار نتائج التحقيق الرسمي والتعاون مع السلطات العراقية كان يشكل بديلاً أقل مساساً بسيادة الدولة؟
ولا يعني ذلك نفي حق أي دولة في حماية أمنها، وإنما يقتضي تقييم مدى استيفاء شروط القانون الدولي قبل استخدام القوة داخل إقليم دولة أخرى.
رابعاً: ماذا يعني تصريح الناطق باسم القائد العام؟
إن التصريح الرسمي الذي أفاد بأن السعودية لم تسلّم العراق أدلة تثبت انطلاق الطائرات المسيّرة من الأراضي العراقية لا يعني بالضرورة أن الجانب السعودي لم يكن يمتلك معلومات استخبارية، لكنه يعني – وفق الرواية الرسمية العراقية – أن تلك المعلومات لم تُقدَّم إلى الحكومة العراقية على شكل أدلة يمكن للجنة التحقيق الاعتماد عليها لإثبات الواقعة.
وهذا بدوره يعزز أهمية التحقيقات الرسمية، ويبرز الحاجة إلى التعاون بين الدول بدلاً من تجاوز المؤسسات الوطنية واللجوء مباشرة إلى القوة العسكرية.
خامساً: ماذا ينبغي أن يفعل العراق؟
إذا رأت الحكومة العراقية أن الضربات تمثل انتهاكاً لسيادتها، فإن القانون الدولي يتيح لها عدداً من الوسائل المشروعة، منها:
- نشر نتائج لجنة التحقيق للرأي العام المحلي والدولي بكل شفافية، سواء أثبتت الادعاءات أو نفتها، لأن كشف الحقيقة يعزز مصداقية الدولة العراقية.
- مطالبة الدول التي نفذت الضربات بتقديم الأدلة التي استندت إليها، وإخضاعها للتقييم القانوني والفني.
- توجيه رسائل رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن توضح الوقائع من وجهة نظر العراق، استناداً إلى المادة (35) من ميثاق الأمم المتحدة، وطلب إدراج المسألة ضمن وثائق المجلس.
- السعي لعقد جلسة في مجلس الأمن لعرض الانتهاكات التي تعرضت لها السيادة العراقية، والمطالبة باحترام أحكام ميثاق الأمم المتحدة.
- دراسة المطالبة بالتعويض عن الأضرار البشرية والمادية إذا ثبت أن استخدام القوة كان مخالفاً للقانون الدولي.
- تعزيز آليات الرقابة على الحدود والمجال الجوي، والتعاون الأمني مع دول الجوار، بما يمنع أي جهة من استغلال الأراضي العراقية للإضرار بالدول الأخرى، لأن حماية السيادة تقتضي أيضاً منع استخدام الإقليم للإضرار بالغير.
خاتمة
إن احترام سيادة العراق لا يتعارض مع حق الدول في حماية أمنها، كما أن رفض الاعتداء على دول الجوار لا يبرر تجاوز سيادة العراق دون استنفاد الوسائل القانونية المتاحة.
فالقانون الدولي لا يقوم على منطق القوة، وإنما على قوة القانون.
ومن مصلحة العراق، ومن مصلحة المنطقة بأسرها، أن تبقى معالجة مثل هذه الوقائع ضمن إطار ميثاق الأمم المتحدة، والالتزام بمبادئ السيادة، والتعاون القضائي والأمني، والاحتكام إلى الأدلة والتحقيقات الرسمية، لأن ذلك وحده هو الكفيل بحماية الأمن الجماعي ومنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لاستخدام القوة خارج الضوابط القانونية.
اشراقة_كانون
2026-08-06