قراءة في كتاب الدكتور سعد ناجي (العراق بعد الغزو):
تذكرة عودة إلى بغداد: من المارينز إلى هولاكو وبالعكس –
أيها الأوغاد دم العراق في رقابكم إلى يوم الدين!
التاريخ لن ينسى ولن يغفر!
خالد شحام
مع نهاية يوم الأربعاء الماضي وصلتني هدية قيمة من الدكتور سعد ناجي جواد ، القامة الوطنية العراقية والقومية العربية التي نعتز بها ونعدها رصيدا وثروة فكرية عربية ، الهدية كانت نسخة من كتابه الأخير ( العراق بعد الغزو: تشرذم – ولادة – إندماج ) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية.
طيلة الأيام الماضية حرصت في المساء على تخصيص بعض الوقت بما تجود به سلطة الجسد والذهن لقراءة الكتاب بكامل تفاصيله والإطلاع على المحتوى الاحترافي الذي صيغ به هذا المرجع المهم والقيم حول المرحلة العصيبة من عمر العراق ومن شخصية واعية عاصرت وعايشت المأساة الماثلة بكل فصولها ومراحلها داخليا وخارجيا .
تبقى في حالة ظن بأنك قرأت الكثير وفهمت الكثير عن حكاية العراق الحزينة خاصة اننا عاصرنا هذه المأساة حتى تقرأ كتاب الدكتور سعد لتتأكد بأن فهمك كان مبتورا أو فيه سطور ضائعة أوثقوب لم تكن ترها من قبل ، كنت ستعيد مواضع فهمك وتعيد جدولة الامك ومشاعرك وفهمك كعربي لأبعاد انهيار قطب عربي سياسي فاعل في الشأن العربي بحجم العراق.
لا أستطيع أن اقدم لكم أي تفسير ولكن بمجرد أن تغرق في الكتاب وخاصة إن كنت تمتلك المؤهلات الحسية الصحيحة فإنك لن تتفاعل مع النص وحسب بل أنك ستشعر بذنب ما ومسؤولية خفية تحوم حولك كعربي ، طيلة هذه الفترة وحتى أثناء العمل او قبل النوم كنت أتخيل الدكتور سعد وهو يطارد ذهني واقفا يقرأ ويخاطب عقلي في التفاصيل المكتوبة وكأنها شبح لمأساة عربية فادحة لا تقل ثقلا عن جريمة اغتصاب فلسطين ، جريمة لا تعرف السكينة وتريد أن تقول ما لديها وتفرج عما في صدرها وكأنها تطالبني وتطالب القارىء بحقها وثأرها الطبيعي الذي تحيكه قوانين العدالة في هذا الكون ، ومع أن الدكتور سعد كتب الفقرات بمهنية أكاديمية علمية بعيدا عن العواطف والانحياز الذاتي ومن موقع الراصد بالمنهجية البحثية إلا انني استطعت أن أتخيل تقاسيم وجه الدكتور ونبرات صوته وهو يروي التراجيديا العراقية بكل مرارتها حتى وكأنه في بعض الفقرات يمكنك ان تسمع حشرجة الصوت مع التلعثم وتشعر ببعض الدمعات العزيزة المؤلمة التي تنساب مع الصور والمشاهد التي يجسدها الكتاب كتذكار من منحوتات الجرانيت في ذاكرة العرب الورقية المرتعشة .
في حقيقة الكلام وحتى تتمكن من التعليق على المادة الموضوعة في الكتاب فيتوجب عليك إمتلاك بعض المفاتيح او بعض الأدوات التي ربما لا أمتلك منها شيئا بشكل شخصي ، ينبغي أن تكون قارئا مطلعا على التاريخ ومن فئة عمرية خاصة عاصرت بعض المفاصل الهامة ، وصحافيا ماهرا ومحللا بعيد النظر ، ومحاسبا ذكيا أيضا له المرونة والتكيف والدفاتر المطلوبة لربط الحسابات القديمة مع الجديدة والخروج بأرقام ودلالات مستقبلية تنبؤية والقدرة على إستصدار فواتير بمطالبات استحقاقية للعراق العظيم الذي ذبحوه ، ربما يضطر الأمر أيضا أن تكون مشعوذا سياسيا بارعا حتى تتمكن من رؤية ما في داخل كرة هذا الكتاب السحرية لرؤية المسار و المصير وما الذي يجري في العراق وماذا سيكون وحتى كيف سيكون حال الجمع العربي بعد التضحية بالرأس العراقي وتحييده كدولة ونظام ، الشيء الأخير والأكثر أهمية ان تتمتع بمعاملات مرتفعة من إنتمائك الحقيقي والوجداني لهذه الأمة التي ستعيد كتابة التاريخ في الرحلة القادمة .
لا أستطيع أن أقول بأن ما سوف أكتبه هنا هو بمثابة ملخص للكتاب لأن ذلك سيفسد على أي منكم شهية قراءته ولا أستطيع القول بأنني محكم أو مقيم ولكنني سأقدم نفسي في هذا الجزء كملاحظ او قارىء فردي يعيد تدوين ما أثاره الكتاب في العقل والنفس وكيف يمكن أن يكون الكتاب أداة خارقة للحواجز يمكنها ان تمنح الرؤية للمستقبل وطريقة متقدمة الحضور لإنارة النفس بالضوء الكافي لتفهم وتعرف موضعها وسلوكها وأحكامها من هذا العالم الظالم بفداحة ، إليكم بعض الملاحظات العامة التي خلصت إليها في هذا الكتاب القيم :
في داخل الكتاب أنت تتجول في داخل العراق او الملف العراقي والذي اختار الدكتور سعد فصوله بعناية وخبرة ، مدنه وشخوصه ولاعبيه ومآسيه وتتلمس تفاصيل الالام الإنسانية العربية بحلتها العراقية ، تتجول و تقف في بعض الفصول لكي تشاهد عملية الاغتصاب الكبرى في التاريخ العربي لبغداد رمز وكرامة العرب ، تقف لكي ترى الأوباش الأعراب وهم يعتدون على البنك المركزي ويقتحمون المتاحف والمؤسسات ويحرقون المكتبات وينهبون الآثار، إنهم ورثة هولاكو بالحلة الأكثر همجية وبذاءة واكثر انحطاطا لأنهم جاؤوا على بسطار المارينز الشاذ والمنعدم الإنسانية ، تكاد تقفز من مقعدك لتوقف أحدهم أو تعرقل شخصية خائنة عن صعودها ووقوفها في سدة الحكم أو تحاول منع حدث صغير لأنك تعلم أنه بعد قليل ستتولد عنه كارثة فادحة لم يكن أحد ليتخيل وجودها ، ربما ستراودك نفسك بالتدخل في فصل من الفصول لتصيح أمام صدام حسين أو القيادة الايرانية او أحد رؤساء الوزراء : أرجوك ألا تفعل ذلك ولا تقترف هذه الخطيئة لأن المؤامرة تتربص فيها والكارثة والموت يقبعان خلف ما تنوي فعله انتظارا لك وللشعب العراقي وما سيأتي أشد هولا مما ترى !.
يروي الدكتور سعد بمرارة الوطني الغيور على بلاده ومصيرها فصول الاخطاء القاتلة في مسيرة القيادة العراقية التي قادت الى النتائج المروعة الحالية لحال العراق والشعب العراقي والتي من الاهمية بمكان ذكرها واستعادة تحليلها وفهمها لأنها اليوم تعيد توليد نفسها بدرجات وانماط متفاوتة من الفهم الخاطىء للمشاهد السياسية الكبيرة التي لا يعلم أحد ما وراءها وخاصة جماعة الردة والتطبيع ، من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها القيادة العراقية قبل الغزو التقليل من أهداف وطموحات الغزاة وتوقع انحصارها في تقليص الحجم العسكري العراقي كما تخيل صدام حسين ، وثانيها تأجيل التعامل مع الحوافز الداخلية المساعدة على نمو الابواغ والطفيليات الناخرة في الوحدة الوطنية من غياب للديموقراطية وانسداد الافاق امام القوى العراقية الداخلية في المشاركة والنقد والاطلاع بدور في حكم وادارة بلد بحجم العراق وتململ الشعب العراقي من سنوات الحصار وتشدد القبضة الأمنية الخانقة ويؤكد الدكتور سعد مرة اخرى (وهو محق في ذلك بالطبع ) على أن أنظمة الحكم الشمولي يسهل استدراجها والتغرير بها من اقرب الناس من داخلها وهذا ما حصل مع صدام حسين ويحدث مع غيره .
إن فكرة تقسيم العراق وتفتيته الى ثلاثة كيانات منفصلة ليست بالخطة الجديدة وليست وليدة تداعيات خديعة 11 أيلول الأمريكية كما كنا نتصور ، إنها خطة مقدسة موضوعة منذ الخمسينيات تحت مسوغات الهيمنة الدائرة على منابع النفط والنفوذ في الاقليم ، في كتابه قدم الدكتور سعد قصة العراق في مصيرها المرسوم منذ الثورة الايرانية حتى الوصول الى مرحلة العيش داخل الفكاك الذي احدثه الغزو ، في المشهد الكلي الذي يبعثه الكتاب في مخيلتك يمكنك ان تتنبأ بأن مصير العراق كان قد تم رسمه وإطلاق الخطط حوله مع إنطلاق الثورة الإسلامية في ايران ، كان المطلوب هو استخدام العراق ككتلة اسمنتية يتم إسقاطها على الثورة الايرانية لسحقها ثم اعادة طحن هذه الكتلة الاسمنتية كي لا تشكل أي خطر وجودي على دولة الكيان وهذا ما حصل بالضبط في حلم ليلة صيف امريكية ، كتاب الدكتور سعد من حيث لا تدري يمنحك بالايحاء التفسير الصحيح للسلوك الانحداري السهل للانظمة العربية المرعوبة التي شاهدت بنفسها مصير من يقف في طريق المغول الامريكي المتدحرج من قمة الجبل ولذلك كان ولا زال سقوطهم مثل الدومينو تحصيلا حاصلا.
في قراءة سلوك السياق الاستعماري التحضيري لحبك الشبكة حول العراق إبان فترة التحضير، لك أن تنظر بتعجب ودهشة من مسوغات الغزو الدولية والقانونية والتشريعية التي استولدها مجلس الأمم والذي جرى من خلال المنصات التحريضية والتعبوية الرسمية والإعلامية الامريكية والبريطانية والصهيونية ( ثلاثي الشر الدائم ) ، أضف الى ذلك مجموعة من الخونة من داخل العراق والموعودون بالجنسيات والثروات والذين ادعو انهم علماء عراقيون وزيفوا شهاداتهم لإدانة النظام بوجود ( أسلحة الدمار الشامل )، كذلك الصحف ومحطات الإعلام الأجنبية التي تدعي عادة النزاهة والحيادية والمهنية الإعلامية والتي تم شراؤها أو إجبارها على تحريف الحقائق وتسويق الكذب ، كل هؤلاء السفلة والمجرمين شاركوا في وضع الصنارة للتحضير للغزو بل حتى ان لجنة برلمانية بريطانية ( لجنة تشيلكوت ) والذين يدعون بعراقة وثبات نزاهتهم وديموقراطيتهم والتي عينت للتحقيق في الحرب على العراق لم يسمح لها بإعلان نتائج التحقيق لمدة طويلة ، إذا اعتقد بعضكم بأن مثل هذا السلوك والنموذج ( البليري والبوشي ) قد طوته صفحات التاريخ فأنتم مخطؤون لأن التاريخ يتكرر وسجل الأكاذيب المثبت سوف يعيد توليد نفسه لعراق ثان وثالث ، ما نشاهده الان مع ايران و روسيا وشيطنتها يكاد يطابق ما جرى مع البيئة التحضيرية لتحطيم العراق ولو بدرجات متفاوتة وتغير الضحية ، نفس هذه الاجراءات سنراها في القريب العاجل بحق الصين وتحويلها إلى عدو منبوذ وخطير ويجب التخلص منه وسنرى كيف يتم خلق عشرات الإدانات من العدم .
عندما يروي الدكتور سعد مرحلة ما بعد الغزو واستيراد الجنرال بريمر المجرم ليركب سدة النفوذ والحكم ويصبح الخليفة الأمريكي في العراق فنحن هنا بصدد مندوب سامي أمريكي ولا تختلف ممارساته مطلقا عن منهجيات الاستعمار الانجليزي لبلادنا ولا تختلف عن منهجيات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة من حيث التخريب والتدمير وتكريس الفرقة والجهل والتقسيم الحاد كأدوات سيطرة وهيمنة يكفلها المتطفل التاريخي ، يشير الدكتور سعد كيف تم تعيين المجالس المختلفة بكتابة طبيعة الانتماء للعضو من شيعي او سني او كردي بغض النظر عن مؤهلاته ، وكمثال كيف تمت ازالة مديرة عامة للتربية من منصبها لانها بعثية وتم وضع الفراش الامي مديرا عاما بدلا منها ! وطبعا هذه أمثلة متواضعة جدا ، اصدر بريمر مائة امر منفذ فككت ودمرت نسيج الداخل العراقي ، نفس هذا النهج يجري في بلاد العرب بالصيغة الأكثر نعومة وتدرجا ، حتى بعد فكاك الاحتلال لا تزال منهجية التخريب تفرض نفسها بتعيين رؤساء الوزراء قسرا وخارج الدستور وفقا للتكيف الامريكي ومصالحه ، وكل هذه الملابسات تعرض بالضبط نوع وطريقة الديموقراطية الامريكية المطلوبة للعراق وغيره من ضحاياهم .
لن أثقل عليكم بأكثر من ذلك ولكن صحبة هذا الكتاب تعكس روح العراق العظيم التي ستعود عربية أصيلة وتمسح آثار القدم الهمجية وتزيل هولاكو القديم وهولاكو الجديد .
مع التحية والمحبة للدكتور سعد المبدع … إلى اللقاء في الجزء الثاني من المقالة .