قراءة فكرية وتأمل إنساني في رسالة المثقف!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
يقول فلاديمير لينين:
“يجب أن يكون المثقف مدرسة في محيطه الاجتماعي، وشمعة تنير طريق الفقراء بالعلم والمعرفة، ولا يعيش حياته متقاعسًا تجاه رسالته الإنسانية.”
هذه المقولة، رغم بساطتها الظاهرية، تختزن رؤية فلسفية عميقة لدور المثقف في التاريخ الإنساني. فهي لا تدعو إلى العلم لذاته، بل إلى العلم كفعلٍ اجتماعي وإنساني يربط الفكر بالمسؤولية، والمعرفة بالفعل، والوعي بالتحرّر.
المثقف، في جوهر دوره، ليس من يملك المعرفة فقط، بل من يوظفها في خدمة الناس، من يجعل من ذاته مدرسةً مفتوحة، ومن فكره شمعةً تهدي دروب المظلومين والمحرومين. فالمعرفة التي تبقى حبيسة المكاتب والمؤتمرات لا تُغيّر واقعًا، ولا تُنقذ إنسانًا. إنها تصبح عبئًا فكريًا، أشبه بثروةٍ لا تُوزَّع، أو بماءٍ لا يُسقي أرضًا عطشى.
لقد أراد لينين، في عبارته، أن يوقظ المثقف من سكونه، وأن يُذكّره بأن الحياد في زمن الظلم هو شكل من أشكال التواطؤ. فالمثقف الذي يلوذ بالصمت أمام القهر، أو ينشغل بالترف الفكري بعيدًا عن هموم الناس، إنما يتنازل عن شرف رسالته. أمّا الذي يُنير العقول ويزرع الأمل، فهو الذي يستحق أن يُسمّى مثقفًا بالمعنى التاريخي والأخلاقي للكلمة.
المثقف بين الوعي والمسؤولية
ليست الثقافة امتيازًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية. والمثقف الحقيقي هو الذي يدرك أن رسالته لا تكتمل إلا عندما تتحول أفكاره إلى طاقة وعي تُحرّك المجتمع نحو التغيير. أن يكون المثقف مدرسة في محيطه الاجتماعي يعني أن يكون قدوة في السلوك، ومُلهمًا في القول، ومبادِرًا في الفعل.
إن المثقف الذي يُعلّم الناس كيف يفكّرون لا ماذا يفكّرون، هو الذي يفتح أمامهم أبواب الحرية. فالمعرفة ليست تلقينًا، بل تحريض على التساؤل، ومقاومة ضد التبعية الفكرية. لذلك، فإن جوهر الرسالة الإنسانية للمثقف يكمن في أن يجعل الإنسان مركز اهتمامه، وأن يرفع منسوب الوعي الجمعي، لا أن يكتفي بنقدٍ عابر أو تنظيرٍ معزول عن الواقع.
حين يصبح الفكر التزامًا أخلاقيًا
المقولة اللينينية لا تنتمي فقط إلى التاريخ الثوري، بل تمتد إلى الحاضر بكل تعقيداته. ففي عالمٍ تتكاثر فيه وسائل المعرفة، يقلّ الالتزام بمعناها الإنساني. ولهذا، يصبح واجب المثقف اليوم أن يُعيد الاعتبار إلى القيم التي أُفرغت من مضمونها: الحقيقة، العدالة، الكرامة، والضمير.
الشمعة التي تحدّث عنها لينين ليست رمزا شاعريًا، بل دعوة إلى الفعل: أن يحترق المثقف قليلًا ليُنير للآخرين الطريق. فالمعرفة، مثل النور، لا تكتمل إلا إذا أضاءت لغيرها. والمثقف الذي لا يدفع ثمن فكره شجاعةً أو تعبًا أو تضحيةً، لم يبدأ بعد رحلة الوعي الحقيقية.
المثقف العراقي… بين الإرث والتحدي
في العراق، حيث تراكمت طبقات من الألم والتضليل والفساد، يبقى المثقف أمام امتحان عسير. فإما أن يكون شاهدًا على الخراب، أو فاعلًا في بنائه من جديد. المثقف العراقي، الذي وُلد في قلب التناقضات، يمتلك من الوعي والتجربة ما يجعله أكثر قدرة على قراءة الواقع، لكنه في كثير من الأحيان محاصر بالخوف، أو مُنهك بصراع البقاء.
المرحلة التي يعيشها العراق اليوم تحتاج إلى مثقفٍ ملتزم بإنسانيته قبل أيديولوجيته، يكتب من أجل الإنسان لا من أجل المذهب أو الحزب. فالمثقف العراقي الذي يتبنى العلم والمعرفة كطريق للتحرر، لا كأداة للمفاخرة، هو وحده القادر على أن يكون “مدرسة في مجتمعه” كما أراد لينين.
خاتمة
إن ترجمة مقولة لينين لا تكون بتمجيدها، بل بتجسيدها. أن يكون المثقف ضميرًا حيًّا، يضيء الظلمات بعقله وقلبه معًا، وأن يظل منحازًا إلى الفقراء، إلى الحقيقة، وإلى الإنسان. عندها فقط، يصبح المثقف شمعةً لا تنطفئ، ومدرسةً تتخرّج منها أجيال من الأمل والوعي والكرامة
2025-10-18