في ذكرى التقسيم الحدود النهائية للمشروع الصهيوني!
أمين محمود
لا تزال القضية الفلسطينية وتداعياتها تشكل القضية المصيرية الأولى التي تهدد مستقبل الأمة العربية بأكملها، فعلى التراب الفلسطيني سوف يتقرر الماّل الذي ستنتهي اليه هوية هذه الامة ومستقبلها … فإما أن تدرك ما يحاك ضدها من مؤامرات فتهب مدافعة عن وجودها وبقائها، واما أن تستمر في التراخي والاستسلام فينتابها المزيد من التمزق والضياع وتصبح لقمة سائغة في أفواه الطامعين والحاقدين. ان القضية الفلسطينية هي أم القضايا وأساس التحديات التي يواجهها العالم العربي بمجمله. فالطموحات والأطماع الصهيونية لا تقتصر امتداداتها التوسعية على فلسطين دون غيرها. فها هو التاريخ يروي لنا أخبار المحاولات الصهيونية المتلاحقة التي جرت لاحتلال العديد من الأراضي العربية بغية اقامة مستوطنات يهودية سواء كان ذلك في الجبل الأخضر بليبيا أو مدين والاحساء في الجزيرة العربية أو البحرين في الخليج اضافة الى العديد من المواقع الاستراتيجية الهامة في كل من مصر والمغرب والعراق وبلاد الشام التي سعت الحركة الصهيونية بشتى الوسائل الملتوية وغير الشرعية لتملكها وإقامة مستوطنات عليها كي تستوعب المهاجرين اليهود الذين ستعمل على تهجيرهم من روسيا وأوروبا الشرقية. ومثل هذه المحاولات الاستيطانية لم تجر في غياهب الماضي البعيد، وانما جرت بالأمس القريب، اذ لم تمض عليها سوى فترة قصيرة من عمر الزمن (لمزيد من التفاصيل، انظر: مشاريع الاستيطان اليهودي للباحث).
ولعله من المناسب في هذا المجال استرجاع ما قاله هرتزل للقيصر الألماني أثناء لقائهما في الأستانة عام 1898، وذلك حينما استفسر القيصر عن مساحة وحدود الأرض التي تطالب بها الحركة الصهيونية كي ينقلها لمسامع السلطان العثماني أثناء لقائهما المرتقب ، فكان رد هرتزل كما ورد في مذكراته بأن مطلب الحركة في تلك المرحلة هو فلسطين بحدودها الجغرافية آنذاك، أما بالنسبة للحدود النهائية للدولة اليهودية التي تسعى الحركة الصهيونية للوصول اليها ، فإنها ستمتد تدريجيا بعد تأمين وجودهم في فلسطين لتشمل المنطقة الواقعة بين نهري النيل والفرات متضمنة الجزء الشرقي من مصر اضافة الى شبه جزيرة سيناء، ثم تمتد أيضا لتشمل الأجزاء الجنوبية من العراق بما فيها نافذة تطل على الخليج ، وسوريا بما فيها لينان اضافة الى المنطقة الواقعة شمال غرب شبه الجزيرة العربية (Herzl, Complete Diaries, Vol 11, p.668)، وهي بالمناسبة المنطقة التي نظرت صوبها جولدا مئير حينما كانت تقف على شاطئ ايلات في أعقاب كارثة 1967 تردد : “انني أشم رائحة أجدادي في تلك الديار وهي جزء من وطننا الذي سنسعى لاستعادته”.
وهكذا فالكل مهدد والكل معرض للدمار ما لم ينفض الجميع عن كاهلهم غبار الوهن واللامبالاة ويجابهون الخطر المصيري بقوة وتصميم وعزم … وعندها فقط يمكن القول بان أبناء هذه الأمة قد أرسوا دعائم نبض قوي في مسار تاريخهم العربي الحديث.
ان الاحتلال الصهيوني لفلسطين لم يأت دون سابق اعداد وتخطيط ، فالتهيئة العملية الجادة لتأسيس الدولة اليهودية تعود بداياتها الى أكثر من قرنين من الزمن وتحديدا الى أواخر القرن الثامن عشر واستمرت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وبعدها بدأت مرحلة الانتداب البريطاني حيث باشرت القوى الصهيونية باستخدام جميع الوسائل المتاحة لديها لتنفيذ مشروع الدولة اليهودية ، الا أنه لا بد من الاشارة هنا الى أنه مهما بلغت المزاعم الصهيونية بشأن” القومية اليهودية ” و”الحق التاريخي” لليهود في فلسطين وباقي الطروحات المزيفة للتاريخ ، الا أن هذا في حد ذاته لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال هو الأساس الذي قامت عليه الدولة الصهيونية . فقد كان لصراع القوى الكبرى حول مناطق النفوذ في الشرق الأوسط تداعيات متلاحقة على بلورة الفكرة الصهيونية وتسابق هذه القوى على تجسيد هذه الفكرة والترويج لها. بحيث أخذت هذه القوى تتنافس على التقرب من الصهيونية وتعمل على توظيفها من أجل تحقيق أطماعها وطموحاتها في الشرق الأوسط. ولم تقتصر هذه القوى على الامبريالية الغربية وبالذات بريطانيا والولايات المتحدة، وانما اشتملت أيضا على الاتحاد السوفييتي الذي برز في أعقاب الحرب العالمية الثانية كواحد من أكبر قوتين عالميتين الى جانب الولايات المتحدة.
فبعد عقود من التنديد بالصهيونية، وقبل أيام قليلة من التصويت على مشروع التقسيم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فوجىء العالم بدهشة واستغراب وهو يستمع الى خطاب أندريه غروميكو عبر هذا المنبر الدولي معلنا فيه تأييد بلاده لقرار التقسيم، ومؤكدا على حق اليهود التاريخي في اقامة دولتهم الصهيونية على أرض فلسطين العربية ل”، تأمين المأوى والوطن لمئات اليهود المشردين الذين يعيشون في المعسكرات والملاجىء الأوروبية”. وفي الوقت ذاته حذر عرب فلسطين من اللجوء الى العنف للدفاع عن وجودهم ووطنهم
(U.N., Official Records, Ad Hoc Committee on Palestine, p. 108).
ولم تمض أيام أربعة فقط على قيام الدولة اليهودية حتى أعلن غروميكو نيابة عن الاتحاد السوفييتي اعتراف بلاده بالدولة الصهيونية اعترافا قانونيا كاملا. وهكذا نجح غروميكو بتوظيف الماركسية بكل انتهازية لتبرير قيام الدولة الصهيونية، وأصبح هذا التبرير سياسة تتبناها جميع الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو في جميع أنحاء العالم.
والغريب أن خطاب غروميكو المؤيد لقيام الدولة اليهودية لم يثر سوى عدد محدود من المظاهرات المعادية للسوفييت، وسرعان ما نسي العرب أبعاد هذا الخطاب وما ترتب عليه من نتائج. غير أنه لم يمض بضعة شعور فقط على الاعتراف السوفييتي القانوني بالدولة الصهيونية حتى بدأت بوادر التغيير في السياسة السوفييتية تجاه اسرائيل، وأخذ السوفييت يتعاملون معها بتحفظ وينظرون بقلق الى تطور الأحداث الداخلية فيها والتي أدت الى بروز قيادة اسرائيلية منحازة الى الامبريالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة.
وما لبثت العلاقات السوفييتية الاسرائيلية أن ازدادت سوءا شيئا فشيئا حتى وصلت الى مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. واستمرت هذه القطيعة حوالي ستة شهور عادت بعدها الى مرحلة جديدة تتسم بالتوازن الحذر، بعد أن كان الاتحاد السوفييتي قد عقد اّمالا عراضا تتسم بالتوازن الحذر على إمكانية على امكانية أن تصبح هذه الدولة اليهودية نواة للهيمنة الاشتراكية على منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي تتيح المجال للسوفييت فرصة الانخراط في شؤون هذه المنطقة والقيام بدور مؤثر في توجهانها.
أما بالنسبة للدور الأمريكي فقد كان هو الدور البالغ الأهمية وخصوصا في عهد الرئيس ترومان الذي تدخل مرارا وحتى بشكل شخصي لمساعدة الحركة الصهيونية في جهودها لإنشاء الدولة اليهودية (ستيفن جرين، الانحياز (مترجم)، ص ١٧). فقد اعترف بمذكراته بالدعم الكبير الذي قدمته لها حكومة الولايات المتحدة بإشرافه مباشرة، من وراء الستار، وخاصة في الأيام والأسابيع التي سبقت قرار التقسيم في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 أو بعد ذلك حينما تم اعلان الدولة في الرابع عشر من مايو عام 1948.
وقد أكد وكيل وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك، روبرت لوفيت، أن البيت الأبيض تآزر حينها رسميا مع الحركة الصهيونية في شراء الضمائر والأصوات وممارسة الضغوط الهائلة لتمرير مشروع قرار التقسيم مستخدمين العديد من الممثلين والوسطاء لضمان الحصول على الأكثرية اللازمة لقيام الدولة اليهودية وذلك بأي طريقة ممكنة ومهما كان الثمن وخاصة في تلك الأيام القليلة الحاسمة التي سبقت عملية التصويت. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث مع مندوبي ورؤساء دول أمريكا اللاتينية حيث اتبعت مختلف الوسائل لكسب أصواتهم سواء كان ذلك عن طريق الضغوط السياسية كما حصل مع غواتيمالا أو المساعدات الاقتصادية كما حصل مع هاييتي أو الرشاوي كما حصل مع رئيس جمهورية كوستاريكا حينما قدم له “دفتر شيك على بياض”، ويشير سامي سمارة في كتابه الوثائقي، موسكو تل أبيب، انه حتى “زوجات ممثلي دول أمريكا اللاتينية كان لهن نصيب من تلك الرشاوي، اذ حصلن على هدايا كثيرة من الألماس ومعاطف الفرو الثمينة” (سامي عمارة. موسكو تل أبيب، ص ٨٥).
ويؤكد المؤرخ الامريكي الصهيوني، ديفيد هوروفيتس، على اهمية الدور الامريكي في اقرار مشروع التقسيم قائلاً: ” ان الولايات المتحدة استعملت كل ما لدبها من تأثير في اللحظات الأخيرة الحاسمة لتمرير قرار التقسيم، ولذا يجب أن تعزى نتيجة التصويت النهائي الى هذه الحقيقة” (David Horowitz, Diplomacy in the Near and Middle East , p. 197) .
ومن اللافت للنظر أن القيادة الصهيونية رغم قبولها بقرار التقسيم، الا أنها اعتبرت هذا القبول مجرد قبول مرحلي دون التخلي عن هدفها النهائي وهو اقامة الدولة اليهودية مستقبلا على كامل “أرض الميعاد” كما حدد معالمها هرتزل منذ البداية. ويلاحظ أيضا أنه لم ترد أي اشارة الى حدود الدولة اليهودية بموجب اعلان الاستقلال، ويبدو أن غالبية الزعماء الصهاينة كانوا من دعاة رسم الحدود النهائية بقوة السلاح. وقد ورد في تقرير لهيئة الأركان المشتركة الأمريكية أن ” الاستراتيجية الصهيونية سوف تسعى في سلسلة من العمليات التي تتسع وتتعمق باطراد لتحقيق أهدافها النهائية “. وسرد التقرير هذه الأهداف كالاّتي:
سيادة يهودية في البدء على جزء من فلسطين.
قبول الدول الكبرى بحق اليهود بالهجرة اللامحدودة 3- بسط السيادة اليهودية على فلسطين بكاملها.
توسيع حدود الدولة اليهودية لتصل الى أهدافها النهائية.
4-بسط السيطرة اليهودية عسكريا واقتصاديا على الشرق الأوسط بأسره
(U.S. National Archives , Record Group 539)
ان طبيعة المشروع الاستيطاني الصهيوني لا تتضمن أي امكانية لحلول وسط ، فالمشروع يهدف الى تجزئة العالم العربي وابقائه مشتتا كي يتسنى للمستوطنين الصهاينة الهيمنة على كامل الأرض المسماة “أرض الميعاد”، والتي ابتدأت باحتلال فلسطين وتحويلها الى ثكنة استيطانية صهيونية تكون قاعدة للعدوان على العالم العربي تمهيدا لاحتلال المزيد من أراضيه بغية تحقيق المبتغى النهائي للمطامع الصهيونية في استكمال المسعى نحو تثبيت أقدام المستوطنين الصهاينة على كامل الأرض التي يطلقون عليها أرض الميعاد.
2021-11-22