في حلب!
ثريا عاصي
تتوارد في الأسابيع القليلة الماضية، الأخبار عن مدينة حلب . في أغلب الظن انه عند هذه المدينة السورية التاريخية توقفت في الأيام الأخيرة، الحرب الامبريالية على سورية التي شكل الهجوم العسكري التركي في شمال البلاد وراء أقنعة مختلفة كمثل داعش والقاعدة ـ جبهة النصرة، فتح الشام، زنكي، السلطان مراد… الخ من المسميات، العمود الفقري.
لم يعد خافياً أن الغاية كانت احتلال سوريا، مثلما احتُل العراق، وتفكيكها، ثم إعادة تركيبها على أساس «الديمقراطية الطائفية ـ المذهبية»، تمهيداً أو تبريراً لإعلان «الدولة اليهودية» من النيل إلى الفرات.
من هذه الزاوية يـُعتبر الحدث الحلبي بالقطع مفصلياً. لا غلو من وجهة نظري في هذا القول، فاستعادة مدينة حلب وتحصينها يـُقفل الطريق أمام الجيش التركي ويمنع توغله في الداخل السوري حتى دمشق التي كان يأمل الرئيس التركي السلطان أردوغان أن يصلي في جامعها الأموي وأن يتولى في قصر الرئاسة السورية مهاماً وظيفية تشبه تلك التي توكل بها في العراق الحاكم الأميركي بريمر!
من البديهي أن السيد أردوغان كان سيجد في سورية متعاونين كثيرين، ربما بسهولة أكبر من نظيره الأميركي في العراق، إذ من المرجح أن يكون قد شكل «مجلس الحكم السوري» في أنقره أو في اسطنبول منذ أن اشتعلت الحرب على سورية .
يحسن القول استطراداً في هذا السياق أن الحبكة المسرحية التي أعدت في سنة 2003 للعراق هي نفسها التي يجري عرضها في سورية بدءاً من 2011. اختلف الممثلون فقط . فمثلما أن عراقيين «معارضة» كانوا في مجلس الحكم العراقي يحكمون بلادهم وشعبهم تحت سلطة الموظف الأميركي بريمر وأن عراقيين «عسكر» حاربوا جيشهم وشعبهم إلى جانب الجيش الأميركي وجيوش الوكالات الأمنية الأميركية الخاصة، من المحتمل جداً أنه يوجد سوريون «معارضة» في دواوين الرئيس التركي أردوغان يستعدون لمرحلة «ما بعد الصلاة» في الجامع الأموي فضلاً عن أن سوريين «عسكر» يقاتلون بالتأكيد جيشهم وشعبهم تحت قيادة ضباط أتراك وبتوجيه خبراء عسكريين أميركيين وبريطانيين وفرنسيين.
ينبني عليه أن جميع الذين زعموا أنهم تحركوا أو نشطوا في هامش الحرب على سورية انطلاقا من اصطفافهم الدائم والمبدئي والرئيسي إلى جانب الحرية والديمقراطية، فبرروا حرية وديمقراطية المستعمر الإسرائيلي والرجعي السعودي والرئيس التركي الذي توهم بأنه صار سلطاناً عثمانياً جديداً. إن جميع هؤلاء بُلْهٌ فأخطأوا وعجزوا عن الفهم والإدراك أو أنهم إنتهازيون مرتزقة على حساب الناس.
انتهت إذن معركة مدينة حلب أو بالأحرى هذا ما يقوله العارفون . فلم يبق في ظاهر الأمر إلا البحث عن تسوية لإخراج عناصر القاعدة الذين يحتمون كما يبدو بعدد من المدنيين في مساحة صغيرة من المدينة.
مجمل القول أن انطباع المتابع للحدث الحلبي هو ان المشهد المسرحي يطلعنا على ثلاثة معطيات أعتقد أنها مختصر للوضع الراهن في المدينة:
ـ مبعثون فرنسيون، ثلاثة برلمانيون، ممنوعون من الوصول إلى الإرهابيين المحاصرين مع رهائنهم في حلب. يسير هؤلاء النواب الفرنسيون في الإتجاه المعاكس للآخرين. كأنهم يطالبون بحق الإرهابيين في حلب في البقاء حيث هم بالإضافة إلى حق الغربيين في إمدادهم بالسلاح والقوت . بكلام صريح وواضح جاء هؤلاء النواب الفرنسيون إلى حلب ليشهدوا على شرعية القاعدة دولياً، من خلال وجودهم بين عناصرها ورهائنهم من العائلات السورية.
ـ يرى المتابع في المشهد الحلبي أيضاً الروس والإيرانيين والأتراك يتباحثون «في الشأن السوري» بحسب الناطق باسم الوفد التركي . لم نسمع عن تصريحات صدرت عن الروس أو عن الإيرانيين حول هذه المسألة.
هذا يحملنا على التساؤل عن غايات كل من هذه الأطراف الثلاثة من الإنغماس في الحرب على سورية . علماً أن الإيرانيين والروس هم إلى جانب الحكومة السورية بينما تمثل حكومة أردوغان رأس حربة القوى المعادية.
أعتقد أن العامل الرئيسي الذي دفع هذه الأطراف الثلاثة إلى دخول الحرب في سورية هو أمني بامتياز .
ولكن من المحتمل أن يكون السيد أردوغان قد قرأ خطأ المشروع الأميركي المعروف بـ«الشرق الأوسط الجديد»، فظن أن دورة الزمن سوف تعود إلى الوراء بإرادة الولايات المتحدة الأميركية أي إلى ما قبل 1916 وإتفاقية سايكس ـ بيكو بين القوى الإستعمارية آنذاك بريطانيا وفرنسا.
بكلام آخر ربما اعتقد الرئيس التركي أن الفرصة سانحة بمناسبة فرفطة العراق وسورية لضم الأجزاء الشمالية من البلدين من أربيل الى حلب مروراً بالموصل وصولاً إلى جسر الشغور عند حدود لواء الإسكندرون .
هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فليس مستبعداً أن يكون وراء انخراط حكومة السيد أردوغان في الحرب ضد سورية استرضاء أوروبا الراغب في دخولها وإسرائيل التي تمنح الجنسية الغربية بحسب معاييرها لمن تشاء بالإضافة للدول الخليجية وعلى رأسها السعودية التي تحسن جزاء الأقوياء تبعاً للذهنية البدوية البدائية : من ليس معك فهو ضدك، وقبـِّل اليد التي لا تستطيع منعها من صفعك!
أما بالنسبة للحكومة الإيرانية، فلا جدال في أن لديها هواجس أمنية كبيرة وأنها تخشى من ان يُستفرد بها مرة ثانية. وبالتالي فمن الطبيعي أن تلجأ إلى البحث عن حلفاء لها في المنطقة على أساس المبادئ التي رفعتها الثورة الإسلامية في إيران، وهي بحسب الخطاب الإسلامي الإيراني، محاربة الظلم إقتداء بانتفاضة الحسين ابن علـي ضد انحراف يزيد ابن معاوية ومقاومة «الاستكبار العالمي» (تميـُّزا عن الأحزاب السياسية العلمانية التقدمية المناهضة للإستعمار والإمبريالية) المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية والإستعمار الاستيطاني الإسرائيلي . المفارقة هنا، هي في أن الدعاية الإمبريالية وصمت الثورة الإيرانية «بأنها شيعية».
فوضعت نظم الحكم العربية أمام خيارين: أما أن تـُكفروا «الشيعة» وتقاتلوهم كما سأقاتلهم وأما سأسقط نظم حكمكم واستبدلكم حتى لا تتأثر شعوبكم بالثورة الإسلامية الإيرانية.
هذا جوهر ما جرى في الحقيقة في الدول التي ضربها الإعصار الاميركي باسم «الحرية والديمقراطية» وما يزال جار في العراق وسورية واليمن.
لعل خير دليل على ذلك أو بالأحرى نتيجة له هو هذا الخبر الذي يتوج سيرورة فرض الحجر الصحي على إيران بدءاً من تشكيل مجلس التعاون الخليجي ومنظومة دول الإعتدال، ثم مؤتمرات حوار الأديان فضلاً عن اتفاقيات التطبـيع مع المستعمرين الإسرائيليين، هذا الخبر نقلته صحيفة إسرائيليية ويفيد بأن السعودية تبرعت بمائة مليون دولار بالإضافة إلى ملاجئ مكيفة للمتضررين من الحرائق التي شبت في بعض المدن الإسرائيلية، ناهيك من خبر آخر تناقلته وسائل إعلام غربية عن أن السعودية ساهمت بمبلغ ثمانين مليون دولار في تمويل حملة رئيس الوزراء الإسرائيلي الإنتخابية .
كيف نعجب من تمويل السعودية للديمقراطية في سورية كونها تمول نظيرتها الإسرائيلية ؟! مجمل القول أن هذا الإنحدار الى الدرك الأسفل، هذا البحر من الدماء، هذا الدمار الكبير الشامل، مرده بحسب أدعياء الريادة في سبيل الحرية والديمقراطية خلف نواطير النفط إلى كون الثورة الإسلامية في إيران «شيعية»!
ـ لن أتوقف عند المخاوف الروسية من تمدد النفوذ الأميركي والأوروبي إلى تخوم روسيا والصين. فأنا لست هنا بصدد التفكر في موضوع العولمة وصراع الأقطاب على الصعيد الدولي .
فما يهمني في سياق هذه المقاربة للحدث الحلبي أيضاً هو موقف الدولة السورية طبعاً التي لم تيأس رغم عدم تكافؤ القوة بينها من جهة وبين أعدائها من جهة ثانية، بالإضافة إلى أن فئة من السوريين ساروا عن وعي أو عن جهل، على خطى حركة حماس فوقعوا في أوهام وإغراءات حركة الأخوان المسلمين والجماعات الوهابية ـ الحنبلية، وهؤلاء جميعاً وضعوا أيديهم في يد أميركا أملاً بإحياء الخلافة الإسلامية تحت قيادة الرئيس التركي أو الملك السعودي، فحاربوا مع الجيش التركي ضد جيشهم العربي السوري وشعبهم، مسطرين أبشع نماذج الإنتحار والتدمير الذاتي التي عرفها التاريخ .
كأن الوطن والدولة ليسا ملكاً لجميع السوريين وإنما هما للإخوان المسلمين وللوهابيين دون سواهم يتصرفون بهما على هواهم أو على هوى ابن سعود والسلطان العثماني الجديد!
خلاصة القول وقصاراه، إن الحدث الحلبي عظيم كونه يتوج أربعة أعوام من النضال والتضحيات ضد الإخوان المسلمين والوهابيين الذين سيطروا على المدينة بمساعدة تركية وأميركية وأوروبية فضلاً عن أنه مكافأة استحقها الشهداء الذين قاتلوا دفاعاً عن سورية وعن شعبها وإلى جانب هذا كله يلزم القول إنه حدث تاريخي أيضاً.
سيسجل التاريخ أن يوم تحررت حلب من العثمانيين الجدد نجح السوريون في المحافظة على بلادهم وعلى دولتهم . في حلب توقف النفوذ الإمبريالي الذي يهدد الروس والصينيين، وفيها انتصر حليف الإيرانيين السوري، وفيها تبددت أوهام دولة الإخوان المسلمين العثمانية الجديدة.
2016-12-20
