“في بلاد العجائب… نحن الضحية والمذبوح والساطور”!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
لم نعد نعرف، بحق السماء، ماذا نحارب أولًا:
البلاء الذي هبط علينا من علياء الغيب؟
أم الغباء الذي تسلل من نوافذ البرلمان؟
الوباء الذي غطى صدورنا بالكمامات؟
أم الغلاء الذي كمم بطوننا بلا رحمة؟
أم قلة الحياء التي تنضح بها وجوه الساسة كلما نطقوا بعبارة “نحن خُدّامُ الشعب”؟
نحن في زمنٍ يُشبه مسرحية عبثية أخرجها مهرجٌ غافلٌ في نوبة سُكر، وأوكل البطولة لحفنة من المدّعين، نصّبوا أنفسهم ملائكة على الأرض، وما هم إلا ذئاب بثيابٍ نسجوها من خطب الجمعة والقصائد الوطنية.
أحزاب الله على الأرض!
كأن السماء أوكلت إليهم ثرواتنا وأحلامنا وشيخوخة آبائنا ومعاناة أمهاتنا. يتحدثون عن الإصلاح وهم يوقعون عقود الفساد بالمزاد العلني. يدّعون التقشف، ثم يركبون سيارات الدفع الرباعي بأرقامٍ لا نجرؤ على نطقها خشية الحسد.
في العراق – ذاك النموذج المثالي لجمهورية التناقضات – لدينا كل شيء إلا الشيء ذاته:
لدينا وزارة تعليم بلا تعليم،
وزارة صحة تعالج بالأدعية،
وزارة كهرباء تشتغل على الشموع،
ووزارة ثقافة لا تقرأ… وربما لا تكتب.
الشعب؟ آه يا شعب!
ذاك الكائن الطيب الذي يصفّق حين يُجلد، ويشكر حين يُنهب، ويصوّت لمن جلد ونهب ثم رشّ عليه القليل من “الإسفلت الانتخابي”.
شعبٌ عظيم، يُبدع في الصبر، ويتقن فن اختراع الأعذار لحكامه: “المسكين الوزير ما بيده حيلة”، “البرلماني والله مظلوم”، “الحكومة مسروقة من جهة ما”…
نعيش اليوم وسط بازار مفتوح للعهر السياسي، حيث تُباع المناصب بثمن قبلةٍ على يد المرجعية، أو عبر قنينة عرقٍ خلف أسوار المنطقة الخضراء. أما الكفاءة، فمكانها في الرفوف، مثل كتب التاريخ التي نحفظ عناوينها وننسى محتواها.
هنيئًا لنا…
فنحن الدولة الوحيدة التي تشبه الحكاية ولا تنتهي، الدولة التي تنام في جيب تاجر وتستفيق على بيان طائفي.
نحن في بلادٍ إذا أردت أن تترقى، فاكذب كثيرًا، نافق أكثر، وادعِ أنك تخشى الله حدّ البكاء… لكن لا تنسَ أن توقّع عقود السرقة بحبرٍ لا يُمحى.
أيها السادة: لقد تعبنا حتى من التعب.
وإذا كان الضمير لا يُباع، فقد أُخرج من الخدمة عندنا، وربما أُحيل إلى التقاعد دون راتب.
نهاية المشهد؟
لا نهاية في الأفق… فالمسرحية مستمرة، والجمهور يصفّق… ولا أحد يصرخ: “كفى
2025-06-11