“غيتو” وارسو والثمار السياسية للدم والبطولة!
جمال الطاهات
غيتو وارسو إحدى التجارب التاريخية التي توضح الدور السياسي للمقاومة، كوسيلة لتحقيق إنجازات سياسية عبر البطولة والتضحية، وليس عبر التفوق العسكري وإلحاق الهزيمة بجيش العدو القوي. فقبول المقاومين لأقدارهم وعيشها بشرف واقتدار، يمنح الفرصة لجبهات أخرى لتحقيق انتصارات حاسمة، ويحمل المرابطين في تلك الجبهات مسؤولية عدم إضاعة الدم والتضحيات سدى.
فخلال الحرب العالمية الثانية كان الجيش النازي يتمتع بتفوق نوعي وكمي، ويتصرف دون أي ضابط قانوني او أخلاقي، وقام بترحيل قرابة ربع مليون يهودي من غيتو وارسو لمعسكرات الاعتقال. ومع ذلك قرر عدد من الشباب اليهودي في غيتو وارسو، تنظيم مقاومة رغم استحالة النصر عسكرياً، وكسر إرادة آلة الحرب النازية، فأنشأوا تنظيمان صغيران في عام 1942، واحد يساري، وآخر أقل يسارية. وتحولت فكرة المقاومة والتصدي من قرار أفراد إلى خطة عمل لتنظيم.
قرار المقاومة لم يهدف إلى إلحاق الهزيمة بالجيش الألماني، ولكن من أجل الدفاع عن شرف المقاومين كأشخاص قادرين على عيش أقدارهم بشرف، واختيار موتهم إن عجزوا عن اختيار حياتهم، وهو ما أسس لمكسب سياسي في مكان آخر. وبدأت أنشطتهم بمقاومة عملاء الجيش الألماني، وقاموا بإعدام عدد من اليهود الذين تعاونوا مع النازيين، سعياً لخلاصهم الفردي على حساب الآخرين. وفي نيسان عام 1943، قرروا التصدي بالدم، فألحقوا خسائر فادحة بالقوة الألمانية التي جاءت لأخذ عدد من اليهود لنقلهم إلى أماكن أخرى. وبعد أيام من تعرض الجيش الألماني لكمين المقاومين، تم تعيين قائد جديد للوحدة العسكرية التي نفذت حملة اجتياح مروعة للحي اليهودي، وقتلت الآلاف من سكانه.
وبالرغم من أن العالم كان يسمع بما يجرى، ولكن لم يستطع أحد أن يقدم يد العون للمقاومين، إلا أن قيمة تلك الحادثة في تاريخ الحرب، أنها كانت تساهم بالدم، لمنح الفرصة لمشروع سياسي بديلاً للفاشية. والمقاتلين في غيتو وارسو لم يكونوا وحدهم، فعبر أوروبا كانت هناك حركات مقاومة تتصدى للجيش الألماني بوسائل مختلفة، وذلك ضمن رؤية عالمية تخوض الحرب على كافة المستويات لإنشاء منظومة بديلة للمنظومة النازية. ففي ذات الوقت الذي كان يُحرق غيتو وارسو، كانت المشاورات والاتصالات تجري لإنشاء الأمم المتحدة كمنظومة بديلة لما اقترحه هتلر بالتعاون مع رئيس فرنسا الجنرال بيتان، وموسيليني في إيطاليا والجنرال فرانكو في اسبانيا.
هناك من وجه اللوم للمقاتلين الذين تصدوا للجيش الألماني في غيتو وارسو، وحملهم وزر موت الآلاف من اليهود، ولكن هناك من استمر بالمقاومة وعمل على تطويرها لتصبح أكثر عقلانية، وقدرة على تحقيق النصر، وقطف الثمار السياسية للدم والتضحيات في مكان آخر. مع التأكيد على أن مهمة المقاومة ليس تحقيق نصر عسكري، بل خلق الفرصة لتحقيق إنجاز سياسي في مكان آخر. وهذا بالضبط ما يمنح “الحرب” – بكافة مستوياتها – معنى. فالمقاومة هي التي تبذل الدم من أجل “مشروع سياسي” يقوم بتنفيذه رفاق في جبهات أخرى، لذلك لا يمكن تحميلها مسؤولية وعبء غياب المشروع السياسي، كما لا يمكن تحميلها مسؤولية العمل من أجل تنفيذه في مكان آخر.
لوم المقاومين في غزة غير مشروع -لا سياسياً ولا اخلاقياً- وهو تعبير عن غياب أي أفق للمضي قدماً في العديد من الأماكن والجبهات، ودليل على الإفلاس وغياب التصور للعالم الأقل ظلماً، وعجز عن متابعة مشاريع بنائه. لا يلام من يصون وعد النصر بالدم والبطولة، من يتحمل عبء التقصير وملامته هم الذين يكتفون بالرقص تأييداً للمقاتلين، واعجاباً ببطولتهم، وذرفاً للدموع على تضحياتهم، ولكنهم لا يقوموا بما يجب القيام به، وهو إنضاج المشروع السياسي الذي يجب أن ينتصر في مكان آخر.
الذين يؤيدون المقاومة، يخونوها بعجزهم عن صيانة أزهار الدم، وتمكينها من أن تثمر مشروعاً سياسياً لتحرير دول وشعوب يمكن تحريرها بوقت قصير. الثمرة السياسية للدم لا تتحقق بمتابعة تفاصيل المذبحة وذرف المزيد من الدموع، بل بالفعل الخلاق والتمسك بالمشروع السياسي التحرري. الذي سيردع إسرائيل عن القيام بما قام به الجيش النازي في غيتو وارسو هو ارتفاع الثمن السياسي لما ستقدم عليه. والمكسب السياسي الممكن انتزاعه منها رغم تفوقها العسكري، يتم تحقيقه برسم خطوط مواجهة جديدة تلحق بإسرائيل خسارة سياسية مروعة. عندها ستصبح غواية التفوق العسكري لإسرائيل وبالاً عليها.
أعظم ما يمكن للعقل أن يقوم به في سياق إدارة الصراع هو القدرة على اشتقاق خيارات بجبهات جديدة تحول تفوق الخصم وميزاته إلى عبء عليه. والسؤال هو: ما الذي يمكن عمله لتأخير قرار اجتياح غزة؟ صمود آهلها لن يكون كافياً في ظل موازين القوى الراهنة. كما أن فتح جبهة عسكرية جديدة قد تطيل امد الحرب، ولكنها لن تكسر ميزان التفوق العسكري الإسرائيلي وتحوله لصالح المقاومة، وتخنق التفوق الإسرائيلي لتحقيق منجز سياسي وتاريخي استثنائي.
إن تحرير أي دولة تخضع للفساد والاستبداد هدف يمكن تحقيقه، وفرصة تقدم للشعب الأردني من أبطال غزة. ويبقى السؤال هل يوجد من لديه القدرة على العمل من أجل حماية غزة، وصيانة دم أبنائها، وتنفيذ الوعد “لمن قضى” بأن دمه لن يذهب هدراً؟ يمكن إلحاق هزيمة سياسية بإسرائيل بالرغم من تفوقها العسكري، وتحويل خياراتها لتوظيف تفوقها العسكري، إلى فرصة لنلحق بها أكبر هزيمة وخسارة سياسية لها منذ نشأتها. ببساطة يمكن تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي، والجرائم التي ترتكبها بغواية هذا التفوق، إلى فرصة لكسر مخالبها في المنطقة.
أخيراً، ليس المطلوب قوة عسكرية إضافية، وإنما مشروع سياسي واضح للتحرر من الفساد والاستبداد. إذ أن تجربتنا تؤكد أن المستبدين الفاسدين هم الذين يخضعون لعنجهية القوة الإسرائيلية ويقدمون لها التسهيلات، وهم الذين يتواطؤون مع جرائم إسرائيلي ليحظوا يدعمها من اجل إدامة حكمهم. توفير مشروع سياسي للتحرر من أي مستبد فاسد متواطئ مع إسرائيل سيقلل الدم الذي قد يراق في غزة، وأيضاً يعظم النتائج السياسية للتضحيات التي قدمت. إسرائيل قد تتراجع عن قرار الاجتياح إذا استشعرت أنها ستخسر سياسياً بسببه، وهذا يعني نصراً مبيناً مضاعفاً، واحد لغزة ومقاتليها، وآخر لمن يرزحون منذ زمن تحت وطأة الاستبداد والفساد ويسعون لاسترداد دولتهم سلطة موارد وبناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدانهم
2023-10-19
