غلبة العواطف”:
حين تتوارى الإمبريالية خلف ضباب المشاعر
في أحدث كتبه يقرأ المفكر الفرنسي دومينيك موازي الجيوبولتيك من منظور وجداني يرى أن مشاعر الحقد والغضب والخوف تغلّبت لتشكل نظاماً عالمياً ثلاثي الأقطاب: جنوب يملؤوه الاستياء والأمل، وشرق غارق في الإذلال، وغرب يسوده الخوف
سعيد محمد *
في كتابه الأحدث “انتصار العواطف: الجيوبولتيك في عصر الاستياء والغضب والخوف”، يواصل المفكّر الفرنسي دومينيك موازي ما بدأه قبل أكثر من عقد ونصف في مؤلفه السابق “جيوبولتيك العاطفة” (2009) ، الذي قدّم فيه تحليلاً للسياسة الدولية من خلال عدسة غير تقليدية تركز على المشاعر الجماعية كقوة محركة. في ذلك الكتاب، رسم خريطة وجدانية للعالم قسّمته بين آسيا المفعمة بالأمل، والغرب المثقل بالخوف، والعالم الإسلامي الغارق في المهانة.
أما اليوم، فيعود ليؤكد أن العالم قد انزلق بالفعل إلى السيناريو الأسوأ. فالخوف انتصر فيه على الأمل، تغذّيه عودة الحروب إلى أوروبا، وانحسار العولمة، وتسارع التغير المناخي. وفي خضم ذلك، تحولت التكنولوجيا الرقمية – من الذكاء الاصطناعي إلى التضليل الإعلامي – إلى مُعجّل للأزمات، ليجد العالم نفسه غارقاً في مدار من الانفعالات الخام كالغضب والحقد والكراهية التي تتجلّى في القوميات المتطرفة، الخطابات الشعبوية، والصراعات المفتوحة، مما يجعل السياسة أكثر هشاشة وانفعالاً، ويعزز مزاجاً عالمياً من الرعب واللايقين.
ويرصد موازي ما يراه تحوّلاً في “الجغرافيا العاطفية”. فإذا كان الأمل في 2009 يسود الصين والهند، فإنّه اليوم أكثر وضوحاً في الهند وحدها، بينما غرقت الصين في خضم مصاعب ديموغرافية واقتصادية وأزمة هوية. وفي أوروبا، برزت أوكرانيا – رغم دمارها – كمثال على التشبث بالأمل في مواجهة (العدوان) الروسي، في حين صارت قوميات شرق آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان) ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من الغرب استراتيجياً وعاطفياً.
وهكذا، فإنه يجادل بأنّ العالم يعيش في خضم تشكّل “نظام ثلاثي” جديد، لم يعد ثنائياً كالحرب الباردة (الغرب بقيادة الولايات المتحدة مقابل الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية)، ولا أحادياً (هيمنة أمريكية منفردة كما بعد 1991). هذا النظام يقرأ أيضاً عبر تقسيم وجداني: الجنوب العالمي يعيش بين الأمل والامتعاض، الشرق العالمي (روسيا والصين أساساً) بين الغضب والإهانة، أما الغرب فيراوح بين الخوف ومقاربات للتكيّف والاستجابة المرنة للتحولات.
الكتاب بذلك محاولة لتفسير الظرف الدولي عبر عدسة العواطف، وهو ما يعكس ثقة قديمة لدى موازي بأن البُعد الوجداني يمكن أن يكون مفتاح فهم السياسة الدولية بأكثر من المصالح الاقتصاديّة أو الأيديولوجيات. عنده الانفعالات ليست مجرّد تعبيرات ثقافية بل محرّكات للصراع الجيوسياسي نفسه، وأن الحدث السياسي ينبغي أن يُقرأ أساساً في ضوء ردود الفعل الشعورية: تضامن انتقائي – مع أوكرانيا لكن ليس مع غزة -، مظلوميّات تاريخية (موهومة) – السنة السوريين ضد الأقليات -، إرهاق شعبيّ – الشعب الأوكراني -، أو غضب عموميّ – الباكستان مثلاً -. إنه عالم يعيش إحالة “طلاق عاطفي”، حيث تتفاوت قراءات الوقائع بين شمال وجنوب، شرق وغرب، وبين أجيال مختلفة داخل الغرب نفسه. لكن هل تكفي هذه العدسة وحدها؟ وهل يمكن توصيف العالم من خلال “الانفعالات” وتناسي البنى العميقة التي تحكم النظام الرأسمالي العالمي؟
بالطبع لا يمكن مقاربة نص موازي دون فهم منطلقاته الفكرية والطبقية. فهو ليس مجرد محلل سياسي، بل نتاج وصوت بارز للمؤسسة الليبرالية الأوروبية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. بصفته مؤسساً للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) وأستاذاً في هارفارد، ومستشاراً لمؤسسات الفكر في باريس وبروكسل وواشنطن، يمثل موازي تلك النخبة التي رأت في المشروع الأوروبي حصناً ضد (مآسي) الفاشية والشيوعية. وتجربته الشخصية، كابن ليهودي نجا من أوشفيتز، تسمح له – في حدود تقاليد الثقافة الغربيّة – بتبني خطاب انسانوي لا يلبث يظهر في كتاباته يدعو لتجاوز الماضي من خلال فهم جديد للعالم، لكنه يظل دائماً حبيس حنين جارف إلى “النموذج الغربي”، واختزال كل نقد موجّه له في مجرد “استياء عاطفي”، وكأن المشاعر ستار يمكنه أن يخفي بنية الاستغلال المادي.
ومن هنا تبدأ المشكلة. فموازي يتعامل مع “العواطف – كالغضب والأمل –” كأنها جوهر مستقلّ يقود حركة التاريخ. لكنّ ما يصفه ليس سوى أشكالٍ فوقيّة لانقسامات ماديّة أعمق، وعي زائف، يغطي على قوانين أعمق: التراكم، الإمبريالية، التبعية. ف”الغضب الروسي” مثلاً لا يُفهم من دون انهيار البنية الاقتصادية بعد النيوليبرالية الصادمة في التسعينات حيث تحوّلت روسيا إلى سوق فاسدة يهيمن عليها أوليغارشيون أوغاد. فالمهانة والإذلال ليست في هذا الفضاء “مشاعر” ألمت بالمواطنين الروس، بقدر ما كانت انعكاساً لوضع التبعية الاقتصادية والخنوع السياسي.
كذلك فإن الاستياء في الجنوب العالمي لا يُختزل في “ذاكرة الاستعمار” فقط، بل في استمرار الهيمنة عبر صندوق النقد الدولي، وتقسيم سلاسل الانتاج العالمية، والنهب المنظم للموارد. وحين يتحدّث موازي عن “الانتقام العاطفي” للجنوب، يغفل أن هذا الجنوب لا يزال مقيّداً بعلاقات إنتاج رأسمالية تفرضها المراكز، فالعاطفة هنا ليست سبباً، بل نتيجة للّاتكافؤ التاريخي. كما أن الخوف في الغرب ليس خشية من “التراجع الحضاري”، بل من إمكان فقدان الهيمنة الاقتصادية والعسكرية بما تجلبه من من منافع وميزات، فيما الشعبويات تعبير عن أزمة تمثيل بنيوية داخل الديمقراطية الليبرالية، لا “غضباً عاطفياً”.
وبذلك فإن ما يقوم به موازي إن هو إلا وصف لأعراض المرض لا بحث في بنيته، ويقدّم تشخيصاً انطباعياً، لكنّه يعجز عن تحليل الجذور المادية للصراع، ويقصر عن تحويل “العاطفة” من سبب غامض إلى انعكاس لصراع مصالح طبقية/إمبريالية محدّدة.
“غلبة العواطف” يظل مع ذلك كتاباً مهماً لأنه يقدّم خريطة وجدانية مفيدة لفهم كيف ينظر الفاعلون إلى أنفسهم والآخرين. ولعله مما يحسب لمؤلفه جرأة الاعتراف الصريح بأنّ الغرب لم يعد مركز العالم، وفقد موقع “الأنموذج” الأخلاقي، وأنّ آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية تطرح بدائل ثقافية وسياسية. وهذا اقرار مهم يصدر من مفكّر ليبرالي أوروبّي نجم.
يقرأ “غلبة العواطف” إذن كطريقة لاستكشاف تفكير التيار الليبرالي الأوروبي في أزمته: تفسير الانهيار العالمي بلغة المشاعر لا بلغة الاقتصاد السياسي، فهو أشبه بمرآة لقلق أوروبا على نفسها أكثر منه نظرية شاملة للنظام الدولي. موازي يكتب كمن يحاول رسم مسار لإنقاذ الليبرالية من خلال قراءة وجدانية للعالم. لكنّ العالم الذي يصفه – عالم الغضب والمهانة – ليس سوى تجلٍّ آخر لأزمة الرأسمالية المعولمة. هنا، بالضبط، يكمن الفرق بين “تشخيص سايكولوجي” للسياسة و”نقد سياسي-اقتصادي” لها. الأول يصف، والثاني يفسّر. فالانفعالات ليست قدراً، بل انعكاساً لصراعات مادية قابلة للتغيير. ومن هنا، فإنّ “الانتصار الحقيقي” لن يكون للعاطفة، بل لمن يستطيع أن يحوّل الاستياء والغضب إلى مشروع تحرّري يعالج جذور الاستغلال، لا مظاهره فحسب.
———————-
* The Triumph of Emotions: Geopolitics in an Age of Resentment, Anger and Fear, Dominique Moisi, Polity, 2025.
– لندن

2025-09-14