من رواد الفكر القومي العربي ( الجزء الاول )
بقلم علي رهيف الربيعي
ثمه مفكران قوميان ساهما مساهمة عظيمة في إغناء الفكر القومي ، لا يمكن تصنيفهما ضمن أي تيار محدد ، سوى أنهما مفكران قوميان في المرحلة الاولى من الحركة القومية العربية ، وهما : أديب اسحاق ( ١٨٥٦-١٨٨٥) وساطع الحصري ( ١٨٨٠-١٩٦٨) .
كان أديب اسحاق قوميا ثائرا ، وصحفيا موزع الاهتمامات والنشاط ، لعب تكوينه البيئي دورا هاما في تحديد اتجاهه القومي ، فهو شامي المولد ، لبناني المنشأ ، مصري الإقامة والهوى ، ارتحل إلى مصر سنة ١٨٧٦ ، والتقى هناك بالشيخ جمال الدين الافغاني ، وكان من أشد المقربين إليه .
ولئن كانت خطب أديب اسحاق ومقالاته في الإصلاح والحرية والثورة ، ترتدي طابع الانفعالية والخطابية المؤثرة في معظم الأحيان ، فإن حديثه عن الأمة والقومية والوطنية يرتدي طابع الموضوعية ، فحول الأمة كتب : ” فالأمة والجيل من كل حي ومن الرجل قومه . وفي عرف أهل السياسة الجماعية المتجنسة جنسا واحدا الخاضعة لقانون واحد . وليس المراد بوحدة الجنس التوفيق بين الأنساب لتعذر ذلك فيها ، ولما طرأ على أنساب الناس ، ولاسيما الحضر ، من المفاسد الكثيرة ناشئة من تخالط أقوام مختلفة أنسابهم ، وتوالي الحروب والغارات ، وتوطن بعض الفاتحين فتوحهم وتزوجهم في أهلها ، إلى غير ذلك مما جهلت به الأحساب ، وإلا ما حفظ بمناعة أهله عن أن يدانيهم فاتح غريب وهو قليل لا يقاس عليه ” .
وليس من المستبعد أن يكون أديب اسحاق قد استند إلى التجربة الأمريكية ليثبت أن الولاء العثماني قابل ، إذا توفرت له الشروط ، أن يكون عاملا في صهر القوميات المختلفة الداخلة فيها . ولذا رأيناه ، وهو المنافح عن العرب في كل أقطارهم ، يعتبر : ” أن سكان البلاد العثمانية يشكلون في مجموعهم أمة بحكم ولائهم السياسي العثماني سواء أكانوا في أوربا أو آسيا ، وسواء كانوا تركا أم عربا أو تترا ، فهم كالجنس الأمريكاني لسكان الولايات المتحدة سواء أكانوا انكليز أو فرنسويين أو أسبانيين أو أمريكانيين أصلا ” .
وبذلك أسقط اللغة من العوامل الضرورية لوحدة الأمة ، إذ كانت الأمة عنده : ” الجماعة من الناس تتجنس جنسا واحدا أي تتسم بسمة واحدة على اختلاف أصولها ولغاتها ، وتتعارف باسم تنتسب إليه وتدافع عنه ” .
لقد استخدم أديب اسحاق مصطلح الأمة بمعنى الدولة التي يمكن أن تجمع بين الأوطان المتباعدة جغرافيا ، كما في حال الأوطان العربية . ولكنه يحرص على أن يربط كيان الأمة بحقوق وواجبات سياسية واضحة ، أساسها الحرية والديمقراطية : ” والوطن في اللغة محل الإنسان مطلقا .. وهو عند أهل السياسة مكانك الذي تنسب إليه ، ويحفظ حقك فيه ، ويعلم حقك عليه ، وتأمن فبه على نفسك وآاك ومالك …” (١)
لقد كان أديب اسحاق واحدا من رواد الفكر القومي ، تأثر بمفاهيم الإصلاح في الغرب والشرق ، وأعجب بأعلام الفكر الأوربي ، لا سيما أعلام الفكر الثوري الفرنسي ، كما تأثر بأفكار صديقه جمال الدين الافغاني وغيرته على الشرق ، فنذر قلمه لمحاربة الاستبداد والملكية المطلقة والسيطرة الأجنبية والتعصب الطائفي ، وسجل له تاريخ النهضة مواقف مشرفة في كفاحه من أجل إلزامية التعليم ومجانيته ، ودعوته لتحرير المرأة .
المصدر :
(١) نقلا عن د . اليازجي حليم ( جذور الفكر القومي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ص ١٤٦- ١٤٨ .
يتبع
2019/04/26