على هامش منتدى دافوس – تفاوت طبقي فاحش!
الطاهر المعز
تظاهر ما بين ستمائة وألْف شخص في مدينة دافوس ( سويسرا) يومَيْ السبت 17 والأحد 18 كانون الثاني/يناير 2026 احتجاجًا على المنتدى الاقتصادي العالمي وعلى مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب نحو 65 من قادة العالم في منتدى هذا العام في دافوس فضلا عن العشرات من رؤساء المصارف المركزية ووزراء المالية وممثلين عن الشركات الكبرى العابرة للقارات…
أشارت لافتات وشعارات المتظاهرين إلى تَزَايُد الفقر وعدم المساواة في جميع أنحاء العالم، وارتفاع عدد المزارعين الذين فقدوا سُبُل عيشهم، وشعارات مثل “الديمقراطية لا دكتاتورية المنتدى الاقتصادي العالمي” و”الديمقراطية لا حكم الأقلية”… كما استقبل المتظاهرون الوفود التي بدأت تصل إلى سويسرا يوم السبت 17/01/2026 من اليونان وإنغلترا وإسبانيا وألمانيا وبعض من تمكنوا من الحصول على تأشيرة دخول من جنوب وغرب أفريقيا ومن آسيا وأمريكا الجنوبية، وتضمنت الكلمات التي أُلْقِيت بنهاية التظاهرة ارتباط الحروب الحالية بالجشع الرأسمالي الذي لا يُنتج من أجل تلبية احتياجات المواطنين وإنما لتحقيق أكبر قدر من الربح، وتُدَمّر الرأسمالية الحياة الدّيمقراطية والمجتمعات المَحَلِّيّة والمناخ وحياة البشر، وانتقد البعض الآخر الطّابع غير الدّيمقراطي للقرارات المتخذة في المنتدى الاقتصادي العالمي لأنها تُتخذ دون مراعاة مصالح الشعوب…
حاصرت شرطة مكافحة الشغب السويسرية متظاهرين معارضين للمنتدى الاقتصادي العالمي بعد ظهر يوم السبت 17/01/2026، بذريعة “تنظيم احتجاجات دون ترخيص أمام محطة قطار برن، بدعوة من قِبَلِ جماعات يسارية ويسارية متطرفة ومؤيدة للفلسطينيين”، وأغلقت الشرطة مدخل محطة القطار “مؤقتًا للتّحقّق من هويات المتظاهرين”، وانتشرت قوات أمنية كبيرة في جميع أنحاء وسط المدينة، وتم تطويق الساحة الفيدرالية، ورُكنت العديد من سيارات الطوارئ، بما في ذلك سيارات من كانتونات أخرى، أمام القصر الفيدرالي، وكانت سُلُطات مدينة برن قد “أعلنت عن انتشار أمني مُكثف ونصحت الجمهور بعدم المشاركة في المظاهرة، فيما كانت الشوارع مفتوحة للمحتجين أمام السفارة الإيرانية والذين يقل عددهم عن مائتَيْ شخص” وفق وكالة كيستون-إيه تي إس
يلتئم منتدى دافوس كل سنة في منتج “دافوس” الفاخر في سويسرا، وهو منتدى الأثرياء ويدعو بعض “الضُّيُوف” من الصحافيين والمنظمات غير الحكومية مثل أوكسفات التي أصدرت تقريرًا يُظْهِر ارتفاع معدّلات الفقْر في العالم في حين ترتفع وتيرة نمو ثروات الأثرياء الذي تسارع بمقدار ثلاث مرات منذ انتخاب دونالد ترامب في بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وعودته الفعلية إلى البيت الأبيض ( 20 كانون الثاني/يناير 2026 )، مقارنة بما كان عليه المعدل السنوي الوسطي خلال السنوات الخمس السابقة، فيما سجل أصحاب المليارات في الولايات المتحدة أعلى نسب النمو لثرواتهم، بينما شهد نظراؤهم في بقية أنحاء العالم زيادة تفوق 10%، واستفاد الأثرياء حول العالم من الإجراءات التي اتخذتها رئاسة دونالد ترامب، بما في ذلك اتخاذ خطوات إلغاء الضوابط التنظيمية وتقويض الاتفاقات الرامية إلى زيادة الضرائب على الشركات، فاستفاد الأثرياء من إجراءات ترامب لخفض الضرائب، وَتَجَاوَزَ عدد المليارديرات حاجز الثلاثة آلاف للمرة الأولى، وبلغت مستويات ثرواتهم أعلى مستوى تاريخي، و أصبح إيلون ماسك خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، أول شخص تتجاوز ثروته نصف تريليون دولار، وفي المقابل، يواجه 25% من سُكّان العالم خطر الجوع.
أشار تقرير أوكسفام إلى أن حكومات في مختلف أنحاء العالم تختار الدفاع عن الثروة والأثرياء وتختار حُكْمَهُمْ ( أو بالأحرى يختار الأثرياء الأشخاص الذين يحكمون البلدان)، مقابل قمع غضب الشعوب التي تعاني من الإستغلال والإضطهاد ومن صعوبة تلبية متطلبات الحياة، بسبب سوء توزيع الثروة واحتكارها من قِبَل أغنى الأغنياء الذي يؤثرون في الحياة السياسية والإقتصادية ويمتلكون أجهزة الإعلام والدّعاية، وبما إنهم يصنعون السلطة والحكومات فلا أحد يُدافع عن الناس العاديين الذين لا يتمكنون من التّنظّم وتجميع قواهم ( بسبب فَقْرِهم السياسي وبسبب ظروف الحياة التي تجعلهم يلهثون من أجل تلبية أبسط حاجاتهم) لكي يشكلوا ثقلاً مضاداً قوياً في مواجهة الثروة المفرطة، ويُقدّر تقرير أوكسفام إن 48% أو حوالي 3,83 مليار شخص من سكان العالم عاشوا في حالة فقر سنة 2022، وإن 25% من سكان العالم يُعانون من انعدام الأمن الغذائي، ويعتقد مُعِدُّو التقرير ضرورة تقليص اللامساواة بين الأثرياء وأغلبية الناس في النفوذ والحقوق السياسية، ولخلق مستقبل أكثر عدلاً للجميع، من خلال “كبح النفوذ السياسي لأصحاب الثراء الفاحش، وفرض ضرائب فَعّالَة على أصحاب الثراء الفاحش لتقليص نفوذهم الاقتصادي، ونتيجة لذلك الحد من نفوذهم السياسي، وحَظْرِ تمويل الأثرياء للحملات الانتخابية، وسن تشريعات لضمان استقلالية الإعلام وحماية حرية التعبير ومنع نشر المحتوى الضار، ولا سيما خطاب الكراهية الذي يستهدف المهاجرين والنساء…” وتُؤكّد هذه المُقترحات مثالية أو طوباوية المنظمات غير الحكومية التي تفصل بين أنظمة الحُكم والأثرياء، وكأن السّلطة السياسية للحكومات مُستقِلّة عن السلطة الإقتصادية أو كأن الحكومات (أو أجهزة الدّولة) هي حَكَم بين مختلف فئات المجتمع، وفي الواقع فإن أي سلطة هي طبقية ومنحازة وتنحاز معظم حكومات العالم إلى صف الأثرياء لأن الحكومات تُمثّل مصالحهم وتم تنصيبها من قِبَل طبقة الأثرياء الرأسماليين لتسْهَرَ على مصالحهم…
زادت ثروات أثرى الأثرياء بنسبة تزيد عن 80% بين آذار/مارس 2020 وكانون الأول/ديسمبر 2025، وبنسبة 16% خلال سنة 2025 لوحدها، وبلغت ثروة ثلاثة آلاف ثري 18,3 تريليون دولارًا سنة 2025، ويمتلك أغنى 12 شخصا في العالم ثروة تزيد عما يمتلكه النصف الأفقر من سكان العالم، أي أكثر من 4 مليارات نسمة يعانون من كل أو بعض مظاهر الفقر، ويكسب المليارديرات نحو سنة آلاف دولار خلال عشرين دقيقة، و145 ألف دولار خلال ثماني ساعات، و أشارت أوكسفام إن ثروة 53 ملياردير في فرنسا تفوق ما يمتلكه أكثر من 32 مليون شخص مجتمعين ( حوالي نصف عدد سُكّان فرنسا)، ويكسب الملياردير الواحد في المتوسط خلال 24 دقيقة ما يعادل متوسط الدخل السنوي للفرد في فرنسا والمُقدّر ب 42438 يورو، وللتذكير فإن الدّخل السنوي لملايين العاملين بالحدّ الأدنى للأجور لا يصل إلى 16800 يورو، ومنذ تولِّي إيمانويل ماكرون ( رئيس أثرى الأثرياء) منصب الرئاسة سنة 2017، تضاعفت ثروة المليارديرات الفرنسيين وتركزت الثروة في أيدي 32 شخصًا فقط، وكان من الممكن أن تموّل ما يعادل عشرة آلاف وظيفة في قطاع التعليم لأكثر من أربعمائة سنة…
تتفق عدة مصادر بشأن هذه الحقائق ( مجلة فوربس لثروات المليارديرات والبنك العالمي وتقرير الثروة العالمية الصادر عن مصرف يو بي إس
نُشِرَ تقرير أوكسفام يوم الإثنين 19 كانون الثاني/يناير 2026
2026-01-21