على هامش ما جرى .نعم للعلمانية!
د.موفق محادين.
في ضوء المحاولات التي لا تميز بين الإلحاد والعلمانية، هناك ما يستدعي التوضيح التالي:
1. هناك العلمانية (بكسر العين) وتعني العلم مقابل الدين، وهناك العلمانية (بفتح العين) وهي تعبير بريطاني يضع العالم، أي الدنيا مقابل السماء، وهناك التعبير الفرنسي الذي يميز بين الاكليروس (رجال الدين) وبين الشعب (اللاييك).
2. العلمانية ليست مجرد مفردة في قاموس ثقافي بل جزء من سياق اجتماعي – اقتصادي – ثقافي – سياسي كوني شكلته الثورة الصناعية البرجوازية.
وقد ارتبط هذا السياق مع أفول التأويلات السياسية (للعناية الالهية) وعصر الإقطاع الديني (الكنسي الامبراطوري في أوروبا) والإقطاع الشرقي في الحالة العربية حيث كان العرب تحت الاستعمار العثماني الامبراطوري. وهو الأفول، الذي ارتبط بدوره بعدد من الظواهر الاجتماعية والفكرية وأبرزها:
أولا العقد الاجتماعي مقابل تأويلات العناية الالهية.
ثانيا، المجتمعات المدنية الحديثة مقابل المجاميع الطائفية والجهوية قبل الرأسمالية (إقطاعيون وأرقاء).
ثالثا، العقل والعقلانية ورجال الفلسفة والتنوير والعلم، مقابل اللاهوت الكنسي وكهنته ورجال الدين الذين يمثلونه.
ويلاحظ في كل ذلك أن الإرث السياسي والفكري العربي لعب دورا مهما في هذه التحولات من نمط ابن رشد والرشدية، بل إن وثيقة المدينة التي أنشأها الرسول في (يثرب) تعد من الوثائق المدنية المبكرة.
3. إن ضعف العلمانية في الوسط العربي الحالي لاتعود (للثقافة الشعبية) بل إلى عدم إنجاز العرب لثورتهم القومية الوحدوية لا بالطريق البرجوازي كما أوروبا ولا بالطريق الاشتراكي كما روسيا والصين وفيتنام مثلا.
وقد لعب الاستعمار الأوروبي ثم الأمريكي واليهودية العالمية والعدو الصهيوني دورا حاسما في منع العرب من إنجاز وحدتهم القومية وذلك بالاعتداءات العسكرية المباشرة ضد محمد علي باشا وضد جمال عبد الناصر كما عبر أشكال عديدة من كيانات التبعية والفساد القطرية.
وها هم اليوم يكررون اعتداءاتهم عبر جماعات الإسلام الأمريكي – الصهيوني التكفيرية المختلفة.
انطلاقا من كل ما سبق وفي غياب الحد الأدنى من شروط الثورة القومية الديموقراطية، لا بديل عن التركيز على العمل السياسي ومعركة العقل والتنوير وبضمنها العلمانية كجانب مهم من هذه المعركة.
وينبغي أن يكون واضحا أن المقصود هنا فصل الدين عن السياسة ولا يتعلق ذلك بخيار يساري كما يعتقد البعض إذ لاوجود للعلمانية في قاموس اليسار، بل بشكل من التقاطعات بين مختلف القوى المعنية بهزيمة قوى التخلف والرجعية.
2021-07-06