عرفات والشرع.. هل يعاد السيناريو!
اضحوي جفال محمد*
بعد حرب الكويت عام 91 كان عرفات معزولاً ومفلساً ويائساً، يقبع في مقره بتونس لا يجد عاصمة تستقبله، حتى العواصم العربية اغلقت بوجهه بسبب موقفه الداعم لصدام. تلك هي الفرصة المناسبة لتتصل به اسرائيل سراً وتفاوضه على تأهيله الشكلي مقابل طلباتها الجوهرية. وأقبل بنهم، غير مصدّق ان هناك مَن يعيد الحياة للموتى السياسيين. كان موصوماً بالارهاب فاختير غيره للتفاوض عن الفلسطينيين في مؤتمر مدريد.. فمنحته اسرائيل وكالة حصرية لتمثيل الشعب الفلسطيني! فرح بذلك كما فرح الشرع بمدح ترامب له، وعاد نجماً للشاشات يجوب عواصم الغرب كأنه رائد فضاء، يحسده الرؤساء الاوربيون على مقدار الاهتمام الاعلامي المصاحب له.
لم يكن التزويق الاعلامي كل ما يملكه الغرب لاغراء عرفات بالتنازل عن كبريات المطالب الفلسطينية، فهناك ايضاً التلويح بالمال الذي يسيل لعاب الأُتن، فدعت الولايات المتحدة الى مؤتمر (مانحين) للسلطة الفلسطينية التي سوف تتشكل كنتيجة للمفاوضات. وجاد المانحون بـ أربعة مليارات دولار.. تعادل بمقاييس عام 1993 الاربعة تريليونات التي حصل عليها ترامب قبل ايام من الخليج. لم يصدق عرفات ان ذلك المبلغ الاسطوري سيصبح بين يديه فألقى نفسه من فوق برج المفاوضات الشاهق، وأصدر الاوامر لمفاوضيه بأن يتجاوزوا كل العقبات ويصلوا الى النتيجة سريعاً. وهكذا كان، وقال الرئيس الاسرائيلي آنذاك متعجباً: نتفاوض مع الفلسطينيين وكأننا نتفاوض مع انفسنا. ولما تنازل عرفات عن كل شيء ووقع على التنازلات بصفته (الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني) لم يعد هناك سبب وجيه لدفع تلك الاموال! لذلك لم يُدفع الا قليل منها. ولما تذكر عرفات وهو يجتر مرارة الخذلان ان هناك شعباً ثائراً وحقوقاً مسلوبة تم التفريط بها خلال النشوة صودرت منه الطائرة الخاصة، ومُنع من السفر، وحوصر في المقاطعة بـ رام الله، وأُجبر علناً على استحداث منصب رئيس وزراء في سلطته وان يعيّن فيه محمود عباس تحديداً. فلما اكتمل كل ذلك سُحب من المشهد بصمت فمرت اقدام رفاقه فوق راسه بعدم اكتراث كما وطأت ارجل المقاتلين الفرس فوق رأس ابي مسلم الخراساني وهم يلتقطون الذهب مثل اطفال الاعراس القديمة تحت وابل الچكليت تنثره أيدي العجائز.
السيناريو المجرّب ذاته يتكرر الان مع الشرع.. اتصلوا به في مستنقع يأسه بادلب، وجاؤوا به الى دمشق كما جيء بعرفات من تونس الى رام الله، وطافوا به على العواصم العربية والغربية ليقابل الذين يضعون على رأسه عشرة ملايين دولار فيغترف ثناءهم ويشعر بالزهو. ولإكمال اركان الخطة بدأنا نسمع زغاريد المليارات تصدر من صفقات مبهمة تخص سوريا دون ان نرى شيئاً على ارض الواقع.. فتعود بنا الذاكرة الى مليارات عرفات التي اوصلته الى الحضيض ثم تبخرت. هل يدرك الشرع ذلك؟ هل يعرف ما حصل لسلفه عرفات؟ حتى الان يسير سير من يجهل تلك القصة التي ما تزال حية في الواقع العربي. اما نحن الذين نجهل ما يدور في كواليس دمشق فلدينا متسع من الوقت للانتظار حتى تخرج للعلن، وهو انتظار لن يطول.
( اضحوي _ 2132 )
2025-06-02