ظل الوليفة والذئاب!
مهدى مصطفى
كانت تروى فى «رمضان»، حيث وقعت أحداث «الوليفة المهيبة».
سبحان فالق الإصباح.
كان أبى يتمتم بدعائه المعتاد قبل إشراق الشمس، ساقاى الصغيرتان تتشبثان برقبته الطويلة، ويداى برأسه المعتمر عمامته الكبيرة، يمشى بخطوات ثابتة، وتقع أشعة شمس الصباح القرمزية على وجهى الصغير المعلق فوق كتفيه العريضين، طول قامته يجعلنى أحتك بفروع الشجر على جانبى الطريق.
ها قد وصلنا.
قال وهو يضعنى إلى جانب ترعة صغيرة وشجرة جميز عتيقة عند الساقية القديمة.
راح يصلى لفالق الإصباح بعد أن وضع بين يدى نصف رغيف محشوا بالحلوى، وعيناى تتلفتان إليه وهو يقوم ويقعد ويسجد، حالما انتهى لم ينظر إلىّ، لكنه قال:
لا تخف، فأنا قريب.
ثم اختفى.
كان الخلاء موحشا، والندى يبلل جسدى، شعرت ببرد وخوف شديدين، وكانت الريح تعوى كذئاب برية.
ما تخشاه يظهر أمامك.
فجأة رأيته فى الجانب الآخر، يحجب أشعة الشمس تحت شجرة الجميز. عيناه حمراوان، شدقاه مفتوحان، كاشفا عن أنياب بيضاء مخيفة، وتهيأ للقفز ليعبر الترعة حيث أجلس.
علت صرخاتى حتى تلاشى صوتى، رأيته يقف فوق رأسى بساقيه الأماميتين، يضيق بين عينيه، ويتشمم رأسي، تقع عيناه فى عينيّ، كأنه يريد أن يقول شيئا لكنه يصمت، يتلفت يسارا ويمينا، ثم يعوى عواء عظيما، يأتى ذئب آخر يركض كالمجنون، يعبر الترعة حيث أجلس.
سمعت جلبة وصخبا، وصوت رصاص فوق رأسى مباشرة، لا أدرى ماذا يحدث، رأيت أبى يعبر الترعة قفزا إلى ذلك الغريب الغامض.
سمعته يقول للذين تجمعوا:
* كنت فى آخر الأرض، تركته تحت الجميزة وراقبته من بعيد خوفا من الغرق فى الترعة، لكننى لا أدرى لماذا ابتعدت هذه المرة، لقد نسيته تماما، وحتى عندما سمعت عواء الذئب لم يخطر ببالى أنه يقف على رأسه، واصلت المشى بعيدا، لكن عواء «الوليفة» أرعبنى، وأدركت أن وليفها جهز لها الوليمة، وكانت صاحبى الصغير تحت شجرة الجميز.
توقف عن الكلام، وسقطت من عينيه دمعتان، وقال بصوت جريح:
لا أدرى كيف وصلت إلى الجميزة فى اللحظة نفسها التى قفزت فيها الوليفة، وكيف اختطفت صديقى الصغير من بين براثنها، وكيف قفزت به بعيدا دون أن يصاب، ولا أدرى كيف ومتى أطلقت الرصاص على الذئب الذى وجدته قتيلا، ولا كيف هربت الوليفة.
كان الجميع صامتين، حتى قال أحد الشيوخ:
* الذئب كان عجوزا ومات، لكن الوليفة ستأتى باحثة عن الثأر.
وافق الجميع، ونصحوا أبى بألا يحملنى معه قبل إشراق الشمس ثانية حتى يجد الوليفة، أو يحصل على أحد صغارها ليأتى به ليتربى مع صاحبه الصغير.
وقالت المرأة الوحيدة بين الرجال:
عليك أن تحصل منها على ما يملأ ماعونا صغيرا من اللبن، ليشربه صاحبك الصغير، وساعتها ستنسى وليفها المغدور.
بحث أبى عنها طويلا فى الغيطان، سمع عن مساراتها الليلية، وكان لا يترك سلاحه، وجعل يده على الزناد تستعد للمواجهة المحتومة.
اختفت الوليفة، وصارت حكاية تلوكها ألسنة النساء عن «الناجى» من الذئبة.
مرت سنوات، تخليت فيها عن الخوف، ذهبت إلى شجرة الجميز، كانت الوليفة تنتظر بعينين حمراوين وفم مفتوح عن أنياب طويلة، هذه المرة لم يكن هناك أبى، ولم تكن البندقية.
نظرت خلفى لأركض، لم تطاوعنى قدماى، تسمرت مكانى، وإذا بالوليفة تعوى وتقفز فوق الترعة إلى حيث أقف، فأقفز إليها بلا خوف، أريد اللقاء بها.
ليكن ما يكون.
قلت لنفسى.
ودون خوف، رحت أصطدم بجسمها الهائل، نحتضن بعضنا، نسقط معا فى الماء.
تقترب منى الوليفة، تشم جسدي، ثم تبتعد تاركة إياى فى الماء الجارى، أنا الغريق، ولا أخشى من البلل، وقد عرفت أن أنثى الذئب تدعى «الوليفة».
2026-02-19