التفاوض والحرب طريقتان للاشتباك!
سعادة مصطفى أرشيد*
تعمل (إسرائيل) الدولة و(إسرائيل) الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو في هذه الأيام دون كلل على مسارين متوازيين الأول عنوانه الأمن القومي لـ(إسرائيل) والثاني الانتخابات البرلمانية القريبة في تل أبيب والتحضير الدعائي لها والتي تتزامن مع الانتخابات النصفية للمجالس التشريعية في الولايات المتحدة الأميركية.
في العنوان الأول نرى أن (إسرائيل) تعمل بكل طاقاتها وما لديها من إمكانات لتنفيذ نظريتها في الأمن القومي والتي ترى أنّه لا يجوز أن يكون في محيطها الحيوي أي دولة تملك فائضاً من القوة وتستطيع أن تخوض حروباً مع دولة الاحتلال أو حتى أن تمتلك قراراً سياسياً مستقلاً ومحظوراً على أي دولة من المنطقة أن تشاركها في السيادة على الإقليم. وهذا ما حصل عندما استطاعت تحييد مصر بعد حرب 1973 وتدمير العراق بعد تورّطه في حرب الكويت، ثم في انكفاء المقاومة اللبنانية والتداعيات التي أعقبت الربيع الزائف وأدّت إلى انهيار النظام في دمشق، وبهذا لم يبقَ في الإقليم من قوى تملك مثل هذا الفائض من القوة إلا تركيا الأطلسية وإيران المتمرّدة، لذلك ترى دولة الاحتلال أنها أمام فرصة قد لا تتكرّر للحصول على توكيل عام من الإدارة الأميركية الحالية لتفعل ما تريد على مستوى الإقليم إنْ في غزة والاستمرار في حصارها وتجويعها وقصفها وحتى تعطيل مسار خطة ترامب فيها، وإنْ في الضفة الغربية وابتلاع أراضيها في الإجراءات الأخيرة المتعلقة بملف الأراضي والاستيطان والتي جاءت تعليقات الإدارة الأميركية عليها عاتبة أكثر منها رافضة، وإنْ بالشام واجتياحاتها ونصبها الحواجز هنا وهناك لإثبات وجودها وسيادتها وعن طريق التعامل مع طوائف وإثنيات تعطيها الأمل بإمكانيات الاستقلال التام أو الحكم الذاتي، وإنْ في لبنان وقصفه واغتيال مقاوميه بشكل يومي وتهديد العراق واليمن. ولكن في الملف الإيراني يرى نتنياهو وحكومته أنّ الحرب معه يجب أن تكون بقيادة وصدارة الولايات المتحدة أولاً والتي تعمل (إسرائيل) على تحريضها وتوريطها لضرب القوة الوحيدة المتبقية لا كنظام فقط، وإنما كاقتصاد وتكنولوجيا وعسكر وثقافة ونزوع نحو الاستقلال والحرية.
في العنوان الثاني الانتخابي فقد أصبحت الانتخابات البرلمانية (الإسرائيلية) على الأبواب وقارب عمر الحكومة الحالية الأربع سنوات وهي من الحكومات طويلة العمر في تل أبيب، ويتزامن ذلك مع الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة التي يعمل دونالد ترامب على فوز الحزب الجمهوري بها وإلا فإنه معرّض لفقدان كثير من مصادر قوته، وفي حين يخوض نتنياهو الانتخابات بأسنانه في معركة بقاء، فهو إنْ خسر هذه الجولة فلن يكون رئيس حكومة سابقاً وإنما شخص مدان بجرائم الفساد التي لا يزال ترامب يضغط على رئيس الدولة هيرتسوغ ليحصل له على عفو يسبق صدور الحكم القضائي.
يرى نتنياهو أنّ جمهوره قد أصبح في غالبه من أقصى اليمين في دولة الاحتلال، لذلك يسير وفق رغبات هؤلاء الناخبين بخوض معركة مفتوحة في غزة والضفة الغربية تستهدف شطب المسألة الفلسطينية شطباً نهائياً والسيطرة على الإقليم الذي يريده أن يكون بلا ذاكرة من خلال تغيير المناهج وصناعة إسلام جديد والسيطرة على ثرواته وآثاره وأرضه وسمائه ومائه، فهذا الإقليم ليس إلا بستاناً يهودياً خالصاً فيما أصحابه الحقيقيون عراة من التاريخ والجغرافيا والثقافة والاقتصاد والثروات. وهذا البرنامج السياسي هو الذي يتقدم به كدعاية انتخابية يرى إنها قادرة على إنجاحه في الانتخابات وإبقائه في مقعد رئاسة الحكومة.
من عادة نتنياهو أن يتبجّح بالقول إنه يعرف الولايات المتحدة الأميركية أكثر من الأميركان أنفسهم، وإن لا أحد في “إسرائيل” أو في العالم قادر على أن يتعامل مع واشنطن مثله، وإذا كان هذا القول فيه بعض المبالغة إلا أنه فيه كثير من الصحة، وهو يريد أن يستمرّ في تحريضه للإدارة الأميركية على خوض الحرب مع إيران مفترضاً ومشيّعاً أنّ القوة الصاروخية والتكنولوجية الخاطفة في سرعتها التي تملكها كلّ من واشنطن وتل أبيب قادرة على سحق إيران نظاماً وصناعة وتكنولوجيا وأنهم مستعدّون لمشاركة الولايات المتحدة أعباء هذه الحرب التي يؤكد أنّ ربحها مضمون عسكرياً وأنّ هذا الفوز المضمون هو ضامن أيضاً لنجاح الحزب الجمهوريّ في الانتخابات النصفيّة القريبة.
تبدو خطط نتنياهو تسير دون أن تجد مَن يعترضها فلسطينياً وقومياً، والسؤال هل يستطيع هذا الرجل المتبجّح إقناع واشنطن بالدخول في حرب مفتوحة مع إيران؟ وهل مسار التفاوض سيصل بالأمور إلى نتائج تجنّب إيران الحرب؟ قد يكون الجواب غير متوفر ولكن ليس أمام إيران إلا أن تعمل وفق قاعدة: اعمل وكأن المفاوضات ستصل إلى نهايات حميدة أبداً… ولكن اعمل وكأن الحرب ستقع غداً.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير – جنين – فلسطين المحتلة
2026-02-19