طوفان الأقصى بأقلام غربية!
رنا علوان

تحت عنوان [ غطرسة إسرائيل أسهمت في عماها ] استذكر كاتب فرنسي ما جرى من احداث في [حربي 1967 و1973] بين العرب والعدو الإسرائيلي وقارن بينهما وبين الهجوم المباغت الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على العدو الإسرائيلي ، وقال إن [غطرسة المحتل واحتقاره للفلسطينيين قد أعماه ]
وكتب مدير مجلة [أوريان 21″ ألان غريش”] أن تل أبيب قد [ارتجت لهول ما وقع] في أكتوبر/تشرين الأول 1973 ، قبل 50 سنة ، عندما كانت الجيوش المصرية والسورية تعبر خطوط وقف إطلاق النار لتُلحق خسائر فادحة بجيش العدو الإسرائيلي
آلان غريتش المتخصص في شؤون المنطقة والذي لديه العديد من المؤلفات منها [ علام يدل اسم فلسطين؟ ] ، في كتابه هذا ينطلق ألان غريش من تساؤلٍ ينتحل سمة البراءة ، بل من تساؤلٍ يطلب تعريفًا جامعًا مانعًا لإسم أفقدته [اعتياديةُ التداول اليومي] الجدية المُؤهِّلة لطرح التساؤل ، لسان حاله في انتحال البراءة يقول ، “تعالوا نسرد الأحداث التاريخية منذ بداياتها ، في ضوء الوثائق التي عادة ما يغضُّ الغربُ الطرْف عنها”
(في صفحة 255) من الكتاب كأنه يردّ على ادّعاء الصهيونية أنّها استولت على أرضٍ من دون سكان ، من ثم ينطلق في سرد الأحداث التاريخية المتشابكة [ويكشف ما يتغاضى عنه الغرب]
تكمن أهمية الكتاب هذا ، في تنوير الرأي العامّ الفرنسي باللغه التي جاء فيها ، وتبيان حقائق لا ينقلها الإعلام والردّ على من يؤثّر في الفرنسيين ، [ أمثال برنار – هنري ليفي ]
ولكنّه يُفيد القارئ العربي أيضًا في معرفة أهمية القضية الفلسطينية التي بدأت تتقلّص أمام اندلاع صراعاتٍ أخرى أو مع قيام الثورات العربية التي أُطلق عليها اسم “الربيع العربي”، وكيف ان فلسطين تبقى عنوانًا بارزًا في نفس الشعوب العربية ، لا تغيب عنها
تتّضح أهمية فلسطين في هذا الكتاب أكثر فأكثر، ليس للطابع “المقدّس” الذي تكتسبه عاصمتها القدس ، بل بفضل ما يتوقّعه المؤلّف في صيرورتها موّئلًا لتخطّي صراع الحضارات (وفي أوجهه الحروب الصليبية) ، في سبيل تحقيق حلم طوباوي يُرجّح أن يُحقّقه ضغط الشعوب العربية على العدو الإسرائيلي والدول
وبالعودة الى مقاله الأخير ، قال إنه رغم حصول أجهزة الاستخبارات على معلومات تُفيد بهجوم وشيك حينذاك ، إلا ان القيادة السياسية للعدو الإسرائيلي التحفت بغطرستها متسائلة “أنّى للعرب الذين هُزموا عام 1967 أن يكونوا قادرين على القتال؟”
فبالنسبة للعدو الإسرائيلي ، كان من الممكن أن يستمر احتلال الأراضي العربية دون رد فعل وإلى أجل غير مسمى
واعتبر غريش أن العديد من المعلّقين في أوروبا والولايات المتحدة دانوا في ذلك الوقت ما سموه “العدوان” المصري السوري غير المبرّر وغير الأخلاقي و”غير المسبَّب” ، مشيرًا إلى أن “زعماء إسرائيل يحبذون هذه العبارة التي تسمح لهم بالتعتيم على جذور الصراع ، أي الاحتلال”
وعاد الكاتب بالذاكرة إلى ما أبداه وزير الخارجية الفرنسي في ذلك الوقت ميشيل جوبير من وعي مشرّف لبلاده بقوله
[“هل هو اعتداء عندما يحاول أحدهم أن يعود إلى منزله؟”]
وتساءل غريش “إذا كانت الرغبة في إنهاء احتلال سيناء والجولان شرعية عام 1973 ، فكيف تكون رغبة الفلسطينيين في تحرير أنفسهم من الاحتلال الإسرائيلي غير شرعية اليوم ، بعد مرور 50 عامًا؟”
وتابع “كما في حرب أكتوبر/تشرين الأول (1973) ، فوجئت تل أبيب بالهجوم الفلسطيني ومُنيت بهزيمة عسكرية ذات حجم استثنائي ، وكما في حرب أكتوبر أيضًا ، فإن غطرسة المحتل ، واحتقاره الفلسطينيين ، وقناعة هذه الحكومة اليهودية المتعصبة بأن الله إلى جانبها ، أسهمت في عماها”
ولم يكن الهجوم الذي شنته حماس قبل يومين مفاجئًا فقط بسبب التوقيت الذي تم اختياره ، بل أيضًا بحجمه وتنظيمه ، وبقدراته العسكرية المنتشرة والتي مكنت ، من بين أمور أخرى ، من اجتياح القواعد العسكرية الإسرائيلية ، حسب الكاتب
وأكد أن هذه العمليّة وحدت كل الفلسطينيين ، وأثارت دعمًا واسع النطاق في العالم العربي ، رغم سعي قادته إلى التطبيع مع إسرائيل والتضحية بفلسطين
حتى محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية [التي يعود وجودها بالأساس إلى تعاونها الأمني مع الجيش الإسرائيلي] شعر بنفسه مضطرًا إلى الإعلان عن “حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه في مواجهة إرهاب المستوطنين وقوات الاحتلال”، وعن “ضرورة توفير الحماية لأبناء شعبنا” بحسب الكاتب
وأضاف انه في كل مرة ينتفض فيها الفلسطينيون ، يستحضر الغرب الإرهاب ، مع أنه ذلك الغرب الذي لا يتوانى عن تمجيد مقاومة الأوكرانيين والتعاطف معهم
ومع هذا أدان الرئيس إيمانويل ماكرون [بشدة الهجمات الإرهابية التي تضرب إسرائيل حاليًا] ، من دون أن ينبس ببنت شفة عن استمرار الاحتلال الذي هو مصدر العنف
ويُضيف الكاتب مؤكدًا أن صمود الفلسطينيين عنيد لا يُقهر ، يُذهل المحتلين ، ويبدو أنه يصدم عديدًا من الغربيين
وكما حدث خلال الانتفاضة الأولى عام 1987 أو الانتفاضة الثانية عام 2000 ، وكما حدث في أثناء عمليات المقاومة المسلحة في الضفة الغربية أو التعبئة لصالح القدس
وكما حدث في أثناء المواجهات في محيط غزة -المحاصرة منذ عام 2007 والتي عانت من 6 حروب خلال 17 عاما (أسفرت عن 400 قتيل عام 2006، و1300 في 2008-2009، و160 في 2012، و2100 في 2014، وما يقارب 300 في 2021، والعشرات خلال ربيع 2023)
يدين المسؤولون الإسرائيليون “همجية” خصومهم ، وقلة اكتراثهم بالحياة البشرية ، أو بكلمة أخرى “إرهابهم”
فتسمح هذه التهمة بالإلتحاف بلباس القانون والضمير البشري ، وتناسي نظام الفصل العنصري (أبارتايد) الوحشي الذي يضطهد الفلسطينيين بشكل يومي
وذكّر غريش بأن عددا لا بأس به من المنظمات الإرهابية تحوّل عبر التاريخ من موقع المنبوذ إلى موقع المحاور الشرعي ، إذ تم وصف الجيش الجمهوري الأيرلندي ، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية ، والمؤتمر الوطني الأفريقي وغيرهم بالـ”إرهابيين” ، بهدف إسقاط البعد السياسي لقتالهم ، وتقديمه على أنه صراع بين الخير والشر ، لكن في الأخير ، وجب التفاوض معهم
وحسب غريش ، تكهّن الجنرال الفرنسي شارل ديغول بعد العدوان الإسرائيلي في يونيو/حزيران 1967 بأن [ “الإحتلال الإسرائيلي لن يستطيع تحكيم السيطرة على الأراضي التي احتلتها احتلالًا ، دون ان يوجد ظلم وقمع وترحيل ، على تلك الأراضي في المقابلة ، ستظهر مقاومة ضدها “تصفها بالإرهاب”]
2023-10-12