الآفاق السياسية للقوة العسكرية في طوفان الأقصى!
جمال الطاهات
هناك ما يكفي من الوقائع التي تؤكد على أن تزايد الممكنات العسكرية يتزامن مع تناقص آفاقها السياسية. فما قدمته التقنية من ممكنات للجيوش، وقدرة على الدمار والقتل، كان لها بذات الوقت تأثير معاكس، حيث ضيقت الهوامش السياسية للقوة العسكرية. إذ بالرغم من الإمكانية التقنية لإبادة أي طرف بشكل عسكري، إلا أن هناك تناقص في القدرة على الهيمنة عليه سياسياً. وهذا ما يوصل تراكم القوة العسكرية إلى افق مسدود، حيث لا يعود بالإمكان توظفها لتحقيق أهداف سياسية.
والحرب الدائرة الآن في غزة، امتحان لإمكانية توظيف التفوق العسكري الساحق لتحقيق نتائج سياسية. حيث تسعى حماس لأن تفرض على إسرائيل معادلة قوة جديدة تدفعها للتخلي عن إنكار المطلب الفلسطيني. وهذا قد يتحقق بقرار أممي، من المتوقع أن تقبله إسرائيل كمخرج لها من استحالة استمرارها بإنكار المطلب الفلسطيني اعتماداً على القوة العسكرية. إذ بالرغم مما يبدو من تناقض مع المقولات، فإن ما قامت به حماس يتمثل باستخدام قوة عسكرية صغيرة، لإثبات محدودية التفوق العسكري الإسرائيلي، وأن الجيوش، وإن امتلكت قدرات تدمير هائلة، لكن لا يمكن توظيفها كأداة للهيمنة السياسية.
إسرائيل تسعى لنصر حاسم ونهائي ينهي الوجود السياسي للفكرة الوطنية الفلسطينية. إلا أن إسرائيل لا تستطيع أن تستعمل كل قوتها العسكرية لتحقيق هذا الهدف، فهي ملزمة لأن تقبل بالمحددات العالمية لاستعمال القوة العسكرية. في المقابل فإن إستراتيجية حماس المعتمدة على أن تبقى “حبة الجوز العصية على الأكل”، لن يلحق الهزيمة العسكرية الحاسمة بإسرائيل، إذ أن هدفها الواضح هو دفع إسرائيل للتخلي عن القوة العسكرية كوسيلة للاستمرار بإنكار المطلب السياسي الفلسطيني. فالمطلوب هو عدم تمكين إسرائيل من تحقيق نصر حاسم، بعد عملية طوفان الأقصى، مما سيدفعها لقبول حقيقة أن تفوقها العسكري لا يمنحها كل المكاسب السياسية التي تسعى إليها.
ستنتج هذه الحرب عملية سياسية. فهي لن تنهي الصراع، ولكنها ستفتح مسارات لتسويته بديلاً عن خيارات إدارته تحت إملاءات ميزان القوى السابق. وليس متاح لأي من قطبي الرحى في المعركة، استعمال قوته العسكرية خارج المحددات الدولية، أو أن يسعى لتحقيق نتائج تتجاوز الآفاق المطروحة دولياً. فالمشهد الدولي، هو البيئة الاستراتيجية لهذا الصراع الذي سيقرر ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه. فلا إسرائيل تستطيع أن تستعمل قوتها لإبادة غزة، كما لن تستطيع حماس تفكيك فكرة إسرائيل أو تغيير خرائطها السياسية الداخلية بشكل سريع وحاسم. وبين هذه الخيارات انطلقت عملية تسويات معقدة في البيئة الدولية ستفرض مساراتها على قطبي المعركة دون استشارة أي منهم.
ساحة المعركة ستفرض انطلاق عملية تسوية سياسية، ولكنها لن تتقرر مساراتها ونتائجها اعتماداً على الميزات العسكرية لأي من الطرفين وما يمكنه أن يلحقه من أذى بالآخر. ستسعى إسرائيل لتقنع نفسها باسترداد قوة الردع، كما أن حماس ستتمسك بقدرتها على التحدي. في المقابل فإن كل طرف من الأطراف غير المشتبكة مباشرة، يبحث عما يحقق بعضاً من مصالحه في العملية السياسية القادمة. فالعالم منذ الحرب العالمية الثانية يتطور ويتحرك بخطوات قصيرة، تجنباً للمعارك المستحيلة، وتعدد الأقطاب، مترافقاً مع تزايد الطاقات التدميرية الهائلة للمتحاربين، جعلت خطوات التطور أقصر، ولكنها خطوات باتجاه التسويات واحتواء الصراعات، وليس السماح لها بالتمدد.
وعلى بالرغم من السياق العالمي للصراع، تغرق بعض الأنظمة العربية بأوهام تحقيق مكاسب استراتيجية من معركة طوفان الأقصى. النظام الذي عاش على إدارة الصراع، لن يحصل على مكاسب من انطلاق مسارات تسويته التي تترتب الآن بفاعلية الدم، بل سيدفع ثمنها. والسعي لإدامة الصراع للحفاظ على دور ما، بوابة أوهام أخرى، فهذه الحرب لن تقدم فرصة إلا لأطرافها الفاعلين، وللاعبين الكبار القادرين على تحقيق مكاسب عبر توظيف مزاياهم السياسية والاستراتيجية.
إن عدم التوصل إلى صيغة قرار في مجلس الأمن يوم الاثنين 9/10، يعني أنه تم تدويل مسارات التسوية بوقت مبكر جداً، ويعني أيضاً فرض سقوف للتوقعات على ما يمكن للجيوش والتفوق العسكري تحقيقه، ولما يمكن للأطراف الإقليمية مثل الأردن ان تكسبه. التدويل المبكر لمسارات التسوية، تفرض على اللاعبين الصغار (وهم صغار بسبب أهدافهم وعجزهم عن استثمار مزايا دولهم) خيارات مرة، بسبب عدم الاستعداد السياسي والاستراتيجي لاستثمار فرصة الالتحاق بمسارات التسوية. فلا توجد حاجة “لدكانه” تقدم خدمات جغرافية للتسويات، بل عناصر استراتيجية يمكن توظيفها في السياقات العالمية والإقليمية.
أخيراً، انطلاقاً من أن قدرة الجيوش على خلق وقائع جديدة على الأرض تحقق غيات سياسية، مرهون بقدرة كل طرف على توظيف ميزاته العسكرية وعناصر تفوقه ضمن المحددات السياسية الدولية. فمعركة طوفان الأقصى ستطلق تسوية سياسية، والمجتمع الدولي سيفرض مساراتها على طرفيها. مما يجعل إصرار بعض الأنظمة على التذاكي والبحث عن أدوار وفرص في مسارات التسوية بين الآخرين (اعتماداً على تجربة إدارة الصراعات في الحرب الباردة)، شكل من أشكال الانتحار الاستراتيجي، ستكون نتائجه سريعة وواضحة قريباً.
2023-10-12
