طلائع الفدائيين……… 2!
أبو علاء منصور.
حين وصلتُ إلى بيت لطفية الحواري في رام الله ظهيرة يوم من أيام شهر أيار من العام 2018 كانت السيدة تجري لقاء مع تلفزيون فلسطين! أصختُ السمع ورحتُ أكتب ما تقوله: وأنا طالبة في المدرسة انتظمتُ في صفوف القوميين العرب، وبعد أن ولدت الثورة الفلسطينية في أواسط الستينات تمنيتُ أن أكون فدائية، وحلمتُ بالاقتران بفدائي. قبل حرب العام 1967 واجهتُ تحقيقات في المخابرات الأردنية، وفُصلتُ من وظيفتي كمعلمة. بعد الاحتلال عدتُ إلى الوظيفة معلمة في مدرسة مخيم الأمعري التابعة لوكالة الغوث. شاركتُ في التحريض ضد استمرار التعليم تحت الاحتلال! قُبض عليّ وقضيتُ عاماً في السجن. أُعيد اعتقالي فقضيتُ ثمان سنوات في السجن. ذات ليلة أيقظني السجان عند منتصف الليل! قيدوا يديّ وعصبوا عينيّ فتخيلتُ نفسي ذاهبة إلى جلسة تحقيق، لكنهم اقتادوني إلى سيارة جيب! توقفت السيارة وفكوا العصبة عن عينيّ فوجدتُ نفسي أمام بيتي الذي استحال كومة حجارة! هنا ذكرياتي ومرتع طفولتي، هنا لعبتُ، رسمتُ وكتبتُ شعراً وألّفتُ مسرحيات. قال المحقق: انظري ما صنعته بنفسك وبأهلك! أجبتُ بتلقائية: لكن الأرض باقية. يحاول المحقق التلاعب بوعي المناضل وتشويه أفكاره، إقناعه بأنه المسؤول عما يحصل له ولأهله، وحصر تفكيره في آلامه الشخصية، إقناعه أنه يتحرك في دائرة جدباء ليلوم نفسه ويتهمها. البعض يقع في هذا الفخ فيتماهى مع القبول الرشيق للفكرة فيستسلم ويبدأ بلوم نفسه وربما إدانتها. أضافت لطفية مخاطبة الإسرائيليين: ألا تفكرون بأبنائكم الذين ترسلونهم لقتل أطفالنا؟! أين الإنسانية وهم يعيشون بإحساس القتل والخوف؟ مجتمع يعوم في بركة دم! وعن الانقسام الفلسطيني قالت: ماذا لو انتصرت فتح في انتخابات جامعة بير زيت؟ هل سترحل إسرائيل؟ وماذا لو فازت حماس؟ هل سيتحرر كامل تراب الوطن؟ انتصارات وهمية! انتصار على الذات. في سجن الرملة كنا خمساً وعشرين أسيرة في قسم المعتقلات الجديدات. أنا لدي إحساس دافق بالحياة. حين كنتُ معلمة أنشأتُ نادي للمطالعة وآخر للرسم وثالث للمسرح. اختتمت لطفية بالقول: التعصب يعمي العيون ويجعل المتعصب رعديداً. نحن بحاجة لجمعات حوار تبث الحب والتلاقي. على هذه القاعدة بنيتُ (ديوانية جمزو)، أردتها ملتقى للتواصل وأداة محبة. هناك من ظنها مؤسسة (N.G. o. s) فقال لي: (هل أجد لديك وظيفة)، آخر طلب مشاركتي ظاناً أن المشروع للتكسب.
قالت خديجة أبو عرقوب: أنا من عائلة تكاد أن تكون معدمة ووالدي طاعن في السن. كان أهل ماجد أبو شرار جيراننا في الكروم، وكنت على صلة بشقيقاته. كنا نقضي أشهر الصيف في العرائش، وفي الشتاء نعود إلى قريتنا دورا. تأثرنا بماجد الذي كان كلامه مختلفاً عن الآخرين. في العام 1956 كنت طالبة في الصف السادس. خرجنا في مظاهرة وهتفنا بسقوط الإستعمار دون أن نعي معناه. تفتحت عيناي مبكراً على الوطنية وتزوجتُ وأنا بعمر سبعة عشر عاماً. بعد حرب حزيران عام 1967 سافر زوجي إلى نيكاراغوا. وحين عاد منع من دخول البلاد، حاولتُ الخروج إلى الأردن فاعتقلتُ على الجسر. قضيتُ ثلاثة أسابيع في زنازين المسكوبية ثم نقلتُ إلى سجن نابلس المركزي. حكمتُ ستة أشهر. عاد زوجي إلى البلاد، وبعد عام من مضايقات المخابرات الإسرائيلية سافر مجدداً إلى نيكاراغوا. وفي عام 1972 وقع زلزال فتوفي وبقيتُ وحيدة مع طفلتي. بعد حرب أكتوبر اعتقلتُ ولم أتمكن من تقديم امتحانات التوجيهي. اعتقلتُ مجدداً في العام التالي ونُفيتُ إلى قطاع غزة. أضربتُ عن الطعام فأعدتُ إلى سجن الرملة. هناك تعرفتُ على الرعيل الأول من الأسيرات الفلسطينيات: فاطمة برناوي، عائشة عودة، رسمية عودة، لطفية الحواري وأخريات بعضهن من غزة مثل رائقة شحادة وهي بدوية، دهسها ابن عمها بالسيارة بعد تحررها من السجن لأنها لم تلبس الحجاب فماتت، مناضلة رائعة علمتها القراءة والكتابة. أضافت بانفعال: من شقٍ في جدار سجن النساء في الرملة شاهدتُ المناضل الياباني كوزو أوكاموتو في جناح الرجال. قضيتُ في السجن ست سنوات.
قالت نعمة عوض طبيبة الأسنان المتخرجة من جامعة رومانية، والتي اعتقلت في الأردن عقب حرب أيلول عام 1970: وضعتُ مع سجينات جنائيات، إحداهن هربت مع شاب أحبته، فأصبحت مهددة بالقتل من قبل أهلها، استغلتها سجينة وحين خرجت من السجن علقت بشبكة دعارة. كان هناك بعض سجينات سياسيات: معزوزة من بيت نبالا محكومة خمسة عشر عاماً وهي والدة أحد شهداء معركة الكرامة، استشهد ابنها الثاني في بيروت. وأم غانم من بيت نتيف استشهد ولدها الوحيد في بيروت في ربيع العام 1973. لاحت على شفتيّ نعمة ابتسامة حزن: كنتُ محكومة بالإعدام، وفي العادة كانت عمليات الإعدام تجري فجر يوم السبت، كنتُ أستيقظ ليلاً فأجد أم غانم جارتي في البرش تتمتم: (يا خليل الله قف مع نعمة). كانت تحلم بأنهم يقتادونني للإعدام! كانت تتشبث بيدي بقوة ودموعها تنهمر.
قالت وجيهة قرابصة: كنتُ طالبة في مدرسة الوكالة برام الله حين شاركتُ في مظاهرة فأنّبني والدي: “هل أرسلتك للمدرسة أم للشوارع؟”. في أوائل السبعينات كنت أشاهد والدتي تحمل الأغراض لشقيقيّ الأسيرين حربي وفاطمة. اعتقلتُ عام 1992، وأعيد اعتقالي عام 1995وحكمتُ خمس سنوات. أضافت: سجن تلموند قسمان، قسم الموقوفات وقسم الزهرات والمحكومات، القسمان منفصلات عن بعضهما بعضاً. جرى فصل الزهرات عن الموقوفات بعد مقتل إحدى الزهرات في سجن المسكوبية على يد موقوفة اتهمتها بالعمالة. حُكمتُ فنقلتُ إلى قسم المحكومات، كنا ثلاثين تقريباً، منهن زهرة قرعوش، لمياء معروف وكانتا متزوجتين. لمياء كان عندها بنت تعيش في كنف جدتها لأمها في البرازيل، وبعد الإفراج عنها أبعدت إلى هناك. كنا نعطي الزهرات جلسات تنظيمية عبر طاقة في الجدار، يجلسن على الأرض ونلقي عليهن المحاضرة. كانت غالبية الأسيرات من فتح، وهناك واحدة من الجبهة الشعبية واثنتان من الجهاد الإسلامي واثنتان من الجبهة الديمقراطية. يتسبب السجن بتفاعل عائلي ومصاهرة. من خلاله تعرّفتُ على أناس لم أكن لألتقيهم.
رغم عقود عمر نهاية طه الأربعة، بدا كأن عمرها توقف عند الخامسة عشر. قالت حين سألتها عن تجربتها: كان عمري تسع سنوات حين طلب شقيقي المطارد من شقيقتي منسف. جهزتْ له الأكل، وبينما خلع حذاءه واستعد للأكل دهم جنود الاحتلال المنزل. هرب فسقط فوق شجرة صبر لكنه تمكن من الإفلات. شقيقي الأصغر مأمون كان طالب في معهد قلنديا، اعتقل وقضى عامين ونصف في السجن، أصابه نزيف داخلي فأصبح يعاني نوبات صرع. أجج حُزني عليه طاقة انتقام في داخلي. حملتُ سكيناً وبحثتُ في شارع صلاح الدين عن جندي احتلال بحجمي -كلهم ضخام الجثث- شك حارس بأمري فنادى عليّ: (لماذا أنت هنا؟). قلت: (أنتظر شقيقتي). أصعدني إلى سيارة جيب! حاولتُ طعن جندي فأمسك زميله بي وانهالوا علي ضرباً وقيدوا يديّ. في المسكوبية لمحني فتى من قريتنا اسمه محمد مفلح فأبلغ أهلي. كان عمري خمسة عشر عاماً ونصف. وضعتُ في غرفة خاصة في قسم الأشبال. فصلتُ عن الأسيرات بسبب خنق فتاة بتهمة التعامل مع الاحتلال. حين كنتُ أذهب للأكل كنتُ أهرب حين تظهر الأسيرة التي قيل إنها خنقت تلك الفتاة! كنتُ أخافها! رُفض طلب نقلي فبدأت أختلق مشاكل! ضربتُ وأنعام الخضور سجانة اسمها أولغا. قضيتُ عامين ونصف في السجن. بعد الإفراج عني حاولتُ تقديم التوجيهي لكني خجلتُ من الدوام مع طالبات أصغر مني، ووجدتُ صعوبة في التأقلم مع الحياة. خوفٌ وأصبحتُ حساسة بصورة زائدة بما في ذلك مع عائلتي! فأمي متوفاة وعشتُ مع زوجة أبي، كنتُ أنادي شقيقتي الكبرى ماما. حين خرجتُ من السجن وجدتُ شقيقتي متزوجة. بعد ستة أشهر وقعت مجزرة الحرم الإبراهيمي، واستشهد الشاب الذي أبلغ أهلي بوجودي في المسكوبية فقررتُ اللحاق به. ودعتُ أخوتي وأخواتي ونزلتُ إلى باب العمود واشتريتُ بلطة. وقفتُ خلف سيارة جيب لحرس الحدود وبيدي حبة شوكولاتة. سألني جندي: لماذا أنت هنا؟ قلت: هل تأكل شوكلاته؟ استدار فضربته بالبلطة في عنقه وسقط على الأرض. قفزتُ على ظهره وهتفتُ: الله أكبر. ضربني جندي بكعب البندقية في وجهي فكسر أنفي. قيدوني وأقلتني سيارة جيب إلى المسكوبية. حُكمتُ أحد عشر عاماً ومثلها مع وقف التنفيذ. ثلاث سنوات وخرجتُ في الصفقة التي أفرج فيها عن كل الأسيرات. بعد الإفراج تزوجتُ شقيق أسيرة، وانفصلتُ عنه بعد خمسة عشر عاماً.
وأنا أستمع لنهاية مرّ بخيالي ما كتبته ميشيل فيتوسي عن مليكة أوفقير في كتاب (السجينة): عيناها بالغتا التعبير وهي تنتقل بلا استئذان من الأشجان إلى المرح، فهي في اللحظة عينها طفلة فمراهقة فامرأة ناضجة، تعيش مليكة جميع الأعمار معاً لأنها في الحقيقة لم تعش أياً منها حقاً.
مع تحيات أبو علاء منصور
17\7\2020