التاريخ بين التدوين والتحليل !
د. صلاح حزام :
عِلمُ التاريخ فيه شقّان :
-تدوين وتسجيل الأحداث التاريخية
-دراسة وتحليل تلك الاحداث
الدراسة الرصينة والنزيهة ،احياناً ، تعترض حتى على الاحداث المدوّنة وقد تعيد ترتيبها او استبعاد او تعديل بعضها عندما يثبت عدم منطقيتها وعدم انسجامها مع ماقبلها وما بعدها من الاحداث.
وبذلك تصبح دراسة التاريخ عملية مفيدة للحاضر والمستقبل ويمكن استخلاص الدروس المفيدة منها..
قبل ايام دار حوار بيني وبين صديق محترم ومن ذوي الثقافة الرفيعة ومن مدمني البحث والكتابة عالية المستوى.
كان الموضوع حول القول الذي يتداوله البعض حول مسؤولية ابن العلقمي عن سقوط بغداد ومعها الدولة العباسية .
لم يكن الهدف من ذلك الحوار ( الذي دار عبر الانترنت) الدفاع عن شخص او تبرئة ذمة فئة .
قد يكون ابن العلقمي خائناً لسيده ( لانه كان وزير المستعصم) ولكننا حاولنا ان ندرس ظروف سقوط الدولة بشكل اكثر شمولية وعدم حصرها بتآمر ابن العلقمي.
الغرض كان البحث في مدى واقعية هذه الرواية وامكانية حصولها.
من يكتب هذه الرواية ويأخذ بها يتجاهل او يجهل فعلاً التدهور الذي اصاب الدولة العباسية خلال القرون السابقة للسقوط وضعف وفشل الخلفاء وخضوعهم للاجانب الذين كانوا الحكّام الحقيقيين للدولة والذين كانوا يعينون ويعزلون الخليفة وحسب مزاجهم..
ضعف همة الخليفة الذي رفض نصيحة شقيقه الذي كان يسمى : الخفاجي ، وكان شديد الهمة وشجاعاً، والذي اقترح قيامه هو والخليفة ببيع ذهب ومجوهرات نسائهم وجواريهم اضافة لما هو متراكم من ذهب بني العباس ( يقول احد المؤرخين انه كان يملأ مايعادل مسبح اولمبي)لتمويل بناء جيش قوي للدفاع عن بغداد وبالتالي الدولة.
رفض الخليفة ذلك قائلاً انها اموالي .. قال له الخفاجي : اذا سقطت بغداد فلن يبقى لنا شيء.
قرأنا عن انهيار الحياة الاجتماعية في بغداد وانهيار الادب والفن وانتشار روح السخرية والاستهزاء بين الناس وان الخليفة ليس له سوى ذكر اسمه على المنابر وضرب العملة بأسمه.
كما ان الغريب هو القبول بامكانية سقوط امبراطورية عظيمة على يد متآمر !! وكأنها لاتتحمل مسؤولية عن ذلك !!!
اضافة لما تقدم تجاهل قوة المغول التي اجتاحت العالم وسحقت الصين العظيمة سحقاً.
كذلك تجاهل حقيقة شيخوخة وسقوط الامبراطوريات على مدى التاريخ.
المثال الآخر هو من التاريخ الحديث وهو يتناول سقوط الاتحاد السوفيتي، حيث يتهم البعض الرئيس غورباتشوف
بالعمالة وأنه اسقط الاتحاد السوفيتي متعمداً !!
لم تنفع كل كتابات القادة والمسؤولين السابقين في الحزب الشيوعي والدولة السوفيتية ولا الادلة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تبين التدهور الخفي الذي اصاب الاتحاد السوفيتي، لم ينفع كل ذلك في اقناع هؤلاء بأن السقوط كان حتمياً لاسباب عديدة وأن غورباتشوف قام بالخطوة النهائية الحتمية.
الاتحاد السوفيتي كان يتعرض للابتزاز الغربي من اجل بيعه الحبوب وانه اعطى تنازلات خطيرة في مؤتمر هلسنكي من اجل الحصول على الحبوب تجنباً للمجاعة. علماً ان روسيا الآن من كبار مصدري القمح في العالم.
اهمال الحساب الاقتصادي واعتماد التخطيط الكمي وترهل منشآت القطاع العام وتركيز الاهتمام على الصناعات العسكرية واهمال المنتجات المدنية وضآلة الفائض الاقتصادي الذي استنزفه سباق التسلح، كل تلك العوامل كانت حاسمة في سقوط ذلك الكيان العملاق.
قبل سنوات كتبتُ دراسة بعنوان : الاسباب الاقتصادية لسقوط الاتحاد السوفيتي أظهَرت ، من بين امور أخرى ، ان نصيب الفرد السوفيتي من الناتج المحلي الاجمالي كان بحدود ٦٥٠ دولار.. وهو مشابه لنظيره في دولة نامية متواضعة مقابل عشرات الآلاف لنظيره في الدول المتقدمة.
وان مؤتمرات الحزب كانت تتبنى اهداف بسيطة مثل زيادة حصة الفرد من الزبد بعشرين غرام.
اعجبني قول صديقي :
عندما اناقش هذه القضية اتخلى عن الاسباب الايديولوجية البائدة التي تؤثر على موضوعيتي.
2020-07-17