ضرورة وإمكانية توحيد البعدين السياسي والإنساني للنكبة الفلسطينية!
جمال الطاهات
لقد أسس القانون الدولي لحقيقة مركزية قوامها: أن الشعوب التي تحصل على حقوقها السياسية تصبح هي المعنية بتامين حاجاتها الإنسانية. وينطلق القانون الدولي من حقيقة تاريخية مفادها أن الشعوب تتحول إلى كتل بشرية فقيرة ومحرومة ومعذبة، تحتاج المكارم والمعونات عندما تفقد حقوقها السياسية.
كتاب “معذبو الأرض” لفرانس فانون في ستينيات القرن الماضي، كشف بوضوح لا يقبل الشك، بأن حرمان الشعوب من حقوقها السياسية مرتبط بشكل عضوي بحرمانها الاقتصادي وعذابها الإنساني. وتخليص الشعوب من عذابها، وتحريرها من ذل ومهانة تحولها إلى كتل من المتسولين لتلبية حاجاتها الإنسانية، لا يتحقق إلا بتمكينها من حقوقها السياسية. فحرمان الشعب من حقوقه السياسية يحوله إلى عبء دائم على البشرية لتلبية حاجاته الإنسانية.
هناك مجتمعات تعرضت لكوارث طبيعية او اوبئة، تم التعامل معها باعتبارها دول منكوبة، ولكن هذا تعامل مؤقت يقتصر على تقديم العون السريع لاحتواء الكارثة، وليس منظومة من التعامل الدائم. إن استمرار التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية إنسانية، دون وضوح عملياتي لإنشاء الدولة الفلسطينية، ممارسة تكشف حجم تخاذل وتواطؤ المستبد الفاسد وعائلته ضد الشعب الفلسطيني.
في جوهر تعريف “نكبة الشعب الفلسطيني”، أنه شعب حُرم من حقوقه السياسية” وتم تعريضه لأبشع أنواع التعسف والقمع لمنع تشكله السياسي. وما تزال المعارك تشن ضده لحرمانه من الحصول على دولة تحقق شروط الاستقلال وكرامته. فمنذ عام 1948، أصر عبد الله الأول على التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مجرد كتلة سكانية منكوبة، واستعمل القوة لمنعهم من التشكل السياسي، وقام بضم الضفة الغربية، واستمرت عائلة المستبد الفاسد بتقديم خدمة استثنائية لإسرائيل بإعاقة إنشاء الدولة الفلسطينية. ورغم الهزيمة المذلة عام 1967 وفقدان الضفة الغربية، ورغم صعود اليمين الإسرائيلي ومشروعه الذي يهدد الأردن، ما زال المستبد الفاسد وعائلته يتحدثون عن الدولة الفلسطينية، لكنهم يعملون كل ما يمكنهم عمله لإعاقة إنشائها.
وبالرغم من أن مضمون النكبة واضح (غياب دولة للشعب الفلسطيني)، وبالرغم من أن نشوء الدولة الفلسطينية مصلحة حيوية وضرورة أمنية وطنية أردنية، وخصوصاً بعد التحولات التي جرت على التكوين الاجتماعي السياسي لإسرائيل، لم يضع الأردن خطط تنفيذية واضحة لإنشاء الدولة الفلسطينية. وساهم المستبد الفاسد وعائلته على مدى عقود بمنع نشوئها، بإصرارهم على اختزال القضية الفلسطينية ببعدها الإنساني فقط، متجاهلين حقيقة أن هذا البعد لا يمكن تلبيته بشكل يحفظ كرامة الشعبين الفلسطيني والأردني إلا ببدء النضال فوراً من أجل إنشاء الدولة الفلسطينية على التراب الوطني الفلسطيني.
كما أن أي حوار يختزل القضية الفلسطينية ببعدها الإنساني، هو فخ لانتزاع تنازلات لا نهائية من الفلسطينيين. اختزال القضية الفلسطينية بطعام وشراب ومأوى وأدوية وووو… لشعب منكوب، يبرر التخلي عن فكرة “المقاومة” بكافة أشكالها، لعدم تعريض الشعب الفلسطيني للمزيد من الضغوط، ولسحب الشرعية من الصوت المقاوم بأشكاله المدنية والسلمية، وتجريمه واتهامه بأنه سبب لعذابات الشعب الفلسطيني. وهذا يستتبع تقديم تنازلات لا نهاية لها، ودون طائل إلا تعميق المذلة وربط تلبية مقومات البقاء الإنساني بإرادة متعالية ومعادية.
اختزال الحديث في حرب غزة بالبعد الإنساني، يقود إلى مطالبة “المقاومة بالنزول عن الشجرة، عبر تقديم تنازلات لوقف العدوان”، وهو ما يعترض عليه العديد من النشطاء والكتاب الفلسطينيين. إذ يجب أن يتركز البحث الآن عن ممر آمن (ليس للمساعدات الإنسانية)، ولكن لإنشاء الدولة الفلسطينية. وهذا يقتضي وقف الاعتراف بالفيتو الإسرائيلي على إنشاء الدولة الفلسطينية، ومباشرة العمل على إنشائها بغض النظر عن القبول الإسرائيلي. بمعنى أن يتحول مشروع إنشاء الدولة إلى خط مركزي للمواجهة بكافة أشكالها المدنية والسياسية والبدلوماسية.
ويمكن تلخيص مسؤولية الأردن تجاه “الممر الآمن لإنشاء الدولة الفلسطينية”، ببرنامج عملياتي واضح بتألف من ثلاث مسارات متكاملة تستند إلى تعريف الدولة بأنها (شعب، وأرض ومنظومة مؤسسية) ثم اعتراف دولي بها. الأول (تعزيز التشكيل الشعبي المدني الفلسطيني بمؤسسات الدولة) وهذا يعني التشكل السياسي والمدني للشعب الفلسطيني لإنشاء دولته وهيئاتها ومؤسساتها، تحضيراً لظهور تعبيرها السياسي النهائي. والثانية، هي دفع المجتمع الدولي والإقليمي لبدء التعامل مع الشعب الفلسطيني الموجود في الضفة وغزة، وتشكيلاته السياسية باعتبارها تشكيلات دولة. والثالثة استثمار الإجماع الدولي على إنشاء الدولة الفلسطينية، (وهو منجز تحقق منذ سنوات) لتحويلها لحقيقة واقعة على أي جزء متاح من الأرض الفلسطينية.
هذا البرنامج العملياتي بمساراته الثلاثة، ممكن ومفيد ضمن معادلات القوة الراهنة، ويأخذ الصراع إلى خط المواجهة الصحيح وهو إنشاء الدولة. وتبني الأردن لهذا البرنامج سوف يلغي التعارض بين المتطلب السياسي والحاجات المادية لإنجاحه، كما أنه يحيد التفوق العسكري لإسرائيل، ويسهل ملاحقة العالم لها على الجرائم التي ترتكبها ضد البنية المدنية للشعب الفلسطيني. أي أن مبادرة الأردن العملية بإنشاء الدولة الفلسطينية، من شأنها عزل إسرائيل ومحاصرتها وافقادها ميزاتها وتحويلها إلى دولة مارقة.
إن تقديم برنامج عملياتي واضح لدور أردني محدد لخدمة القضية الفلسطينية من حيث هي قضية إنشاء دولة للشعب الفلسطيني على أرضه، هدف مشترك للشعبين الأردني والفلسطيني. وتبني هذا البرنامج مهمة مركزية للمعارضة الوطنية الأردنية، لحشد كافة قوى الشعب لاسترداد الدولة سلطة وموارد، وأيضاً ضرورة لكسر احتكار المستبد الفاسد وعائلته في التعامل مع مشروع إنشاء الدولة الفلسطينية، بتحويل هذا المشروع إلى مهمة يمكن متابعتها بمسارات متعددة، أهمها المسار الشعبي.
أخيراً، إن البرنامج المقترح لمساهمة الأردن بإنشاء الدولة الفلسطينية، من شأنه أن يلغي التعارض العملياتي القائم بين الأولوية السياسية والمطلب الإنساني لتنفيذها. فهناك حاجة إنسانية ولوجستية لتنفيذ أي مهمة أو مشروع سياسي، ولكن غياب البرنامج العملي الذي يوحد بين بعدي النكبة (السياسي والإنساني) يسهل الخديعة لابتذال الصراع بإسقاط البعد السياسي وتغييبه واختزال النكبة بالبعد الإنساني. نابليون قالها قبل قرون: “الجيوش [وكذلك الشعوب] تمشي على بطونها”. فلا يمكن تحقيق هدف سياسي دون تصور اسناد لوجستي، ولكن الاسناد اللوجستي دون هدف سياسي ابتذال لمأساوية الصراعات وتاريخيتها. وعليه فإن استرداد الدولة الأردنية وتبنيها العملياتي لمشروع إنشاء الدولة الفلسطينية هو الشرط الضروري والحاسم لإلغاء التعارض العملياتي القائم بين أولوية إنشاء الدولة الفلسطينية وطريقة تحقيق هذا الهدف. وهو ما سيتم متابعته بمقالات لاحقه.
2023-12-12
